أكد مشاركون ورواد أعمال في قمة الويب المنعقدة في الدوحة أن دول الخليج تمتلك فرصة استراتيجية للارتقاء إلى مركز إقليمي فاعل في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. مستفيدة من الاستثمارات الحكومية الضخمة والبنية التحتية الرقمية المتقدمة والاهتمام المتزايد بقضايا السيادة على البيانات والتقنيات الحديثة.
جاء ذلك خلال جلسة نقاش موسعة تحت عنوان "كيف تتوسع شركات الذكاء الاصطناعي في الخليج". حيث ركزت على دور منظومة الذكاء الاصطناعي والشراكات بين المؤسسات الحكومية والخاصة في بناء شركات قادرة على الصمود والتوسع. وتحويل البيانات والبنية التحتية الرقمية إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
شارك في الجلسة فرانسيس بدرازا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إنفيزيبل، وعبد العزيز شيخ الصاغة، الشريك الإداري في شركة بيكو كابيتال، ونامق الزعبي، المؤسس والشريك التنفيذي في شركة سيليكون بادية. حيث ناقشوا كيف يمكن تحويل الأصول السيادية والبيانات الحكومية إلى شركات قادرة على المنافسة عالميا.
تحديات الذكاء الاصطناعي في الخليج
وركزت الجلسة على الدور المحوري للنظام البيئي، بما في ذلك الشركات الناشئة والشركات العاملة التي تستفيد من الأصول السيادية ذات المسؤولية المحدودة والبيانات الحكومية لبناء أعمال تجارية قوية. كما تم بحث كيفية تحويل البنية التحتية إلى قيمة ملموسة بفضل سرعة البيانات وتراكمها.
واتفق المتحدثون على أن التمويل، رغم أهميته، لا يكفي وحده وأن رأس المال عنصر أساسي. لكن من دون هدف واضح يخدم المجتمع، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى أداة لتعميق الفجوات بدل ردمها. موضحين أن ما تشهده المنطقة اليوم يمثل بداية تحول طويل الأمد.
وأضافوا أن المرحلة الحالية تعتبر لحظة مفصلية إما أن نستثمر الذكاء الاصطناعي لبناء اقتصادات أكثر عدالة واستقلالية، أو نعيد إنتاج نماذج التبعية نفسها بصيغة رقمية. مؤكدين أن تحقيق استقلالية الذكاء الاصطناعي في الخليج يحتاج إلى مزيج من ثلاثة عناصر هي البيانات القوية، ورأس المال المستدام، والرؤية المجتمعية الواضحة.
السيادة على البيانات والتحول الرقمي
شدد فرانسيس بدرازا على أن الذكاء الاصطناعي أصبح مسألة سيادية للدول، وليس مجرد أداة تقنية يمكن استيرادها أو استخدامها بشكل جزئي. قائلا إن السؤال اليوم لم يعد كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل من يملكه ومن يديره، ولصالح من يعمل. وإذا لم تكن النماذج والبيانات تحت سيطرة المؤسسات المحلية، فإن أي تقدم تقني سيبقى هشا.
وتدرك دول الخليج هذه المعادلة بشكل متزايد. وأن المنطقة تتمتع بإمكانات تؤهلها للقفز مباشرة إلى بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، بدل الاكتفاء بالاعتماد على حلول جاهزة قد لا تراعي الخصوصية المحلية أو الاحتياجات الفعلية للمؤسسات، حسب بدرازا.
كما أوضح أن التحول من نموذج التطبيقات المنفصلة إلى أنظمة متكاملة داخل المؤسسات يمثل أحد أبرز عوامل النجاح، قائلا: قضينا سنوات في بناء تطبيقات ذكية. لكن التجربة أثبتت أن القيمة الحقيقية تظهر عندما نعيد تصميم النظام بالكامل داخل المؤسسة، سواء كانت مدرسة أو وزارة أو شركة خدمات.
التحديات والفرص المستقبلية
وأضاف أن دمج عدة نماذج لغوية داخل منصة واحدة يمنح المؤسسات القدرة على تخصيص الحلول واتخاذ قرارات مستنيرة وسريعة. ما يعزز الكفاءة التشغيلية ويجعل الذكاء الاصطناعي أداة فعلية للتغيير.
من جهته، ركز نامق الزعبي على أهمية مركزية البيانات في التحول الرقمي. مشبها البيانات بـ"النفط" في القرن الحادي والعشرين. قائلا إن قيمتها لا تتحقق إلا إذا كانت الدولة قادرة على تحويلها إلى معرفة وقرار. وبدون ذلك، ستبقى مجرد مزود بيانات لشركات عالمية.
وأكد الزعبي على ضرورة بناء شراكات متوازنة بين القطاعين العام والخاص. تضمن استقلالية القرار التكنولوجي. بحيث تبقى البيانات الوطنية والخوارزميات تحت سيطرة المؤسسات المحلية، ولا تُحوّل بالكامل إلى مصالح شركات عالمية.
استثمار في الاقتصاد الرقمي
وأشار إلى أن توجيه الاستثمار في الشركات الناشئة والبنية التحتية الرقمية يجب أن يركز على خلق قيمة حقيقية للمجتمع. وليس مجرد تراكم أرباح للمستثمرين.
أما عبدالعزيز شيخ الصاغة، فقد شدد على أن التحدي الأكبر لا يكمن في بناء نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، بل في تحويلها إلى أدوات عملية تحل مشكلات حقيقية وتحسّن حياة الناس. موضحا أن أكثر من 90% من العالم خارج قطاع التكنولوجيا. وإذا لم ننجح في جعل الذكاء الاصطناعي مفيدا للشركات المتوسطة، والحكومات، والخدمات العامة، فسنكون قد فشلنا في جوهر هذه الثورة.
وأشار الصاغة إلى أن منطقة الخليج تمتلك مقومات فريدة لبناء شركات دفاعية رقمية، قادرة على التعامل مع البيانات الحساسة والأطر التنظيمية المعقدة، والعمل بشكل مباشر مع الحكومات.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في الخليج
وأكد أن الشركات التي تُبنى اليوم في الخليج يجب أن تكون قادرة على التعامل مع البيانات الحساسة وأطر تنظيمية معقدة. لافتا إلى أن هذا النوع من الشركات هو ما سيصنع الفارق في السنوات المقبلة.
كما لفت إلى أن الاستثمار المبكر في البنية التحتية الرقمية والبحث العلمي منح بعض دول الخليج موقعا متقدما في سباق الذكاء الاصطناعي. ما يؤهلها لأن تكون لاعبا مؤثرا في سوق عالمي سريع النمو.
الفرصة أمام دول الخليج غير مسبوقة. وبناء شركات دفاعية قادرة على التعامل مع البيانات والسياسات المعقدة سيضمن لها مكانة استراتيجية في الاقتصاد الرقمي العالمي.







