لم تكن قمة الويب في قطر مجرد محفل تقني عابر بالنسبة للشركات الناشئة الفلسطينية. بل كانت منصة لإثبات أن الحواجز الجغرافية والسياسية يمكن تفتيتها عبر الكود والابتكار الرقمي.
وفي لقاءات حصرية أجرتها الجزيرة نت مع هؤلاء المبدعين على هامش القمة، تبيّن كيف استطاع المبتكرون القادمون من قلب غزة المحاصرة والقدس المثقلة بالتحديات ورام الله، تقديم حلول سيادية تتراوح بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ورقمنة الخدمات. مؤكدين أن العقل الفلسطيني بات يُصدّر تكنولوجيا قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية وتحقيق الاستدامة الاقتصادية رغم المعوقات.
تشيرن سولوشنز: البرمجيات كخدمة
برزت منصة تشيرن سولوشنز (Churn Solution) كأداة هندسية دقيقة لمعالجة معدل الفقد (Churn Rate)، وهي المعضلة الأكبر التي تواجه نموذج البرمجيات كخدمة (SaaS).
وتستهدف المنصة حل واحدة من أعقد المشكلات التي تواجه شركات البرمجيات ذات الاشتراكات الشهرية، وهي خسارة المشتركين. وتعتمد المنصة في جوهرها على تقديم حلول استباقية تبدأ في اللحظة التي يقرر فيها المستخدم إلغاء اشتراكه.
تقود ولاء كاشو، بصفتها رئيسة قسم المنتجات (CPO)، الرؤية التطويرية للمنصة التي تعتمد على نظام ذكي لتقسيم العملاء. وبحسب كاشو، يتم توجيه كل مستخدم إلى مسار إنقاذ مخصص يتناسب مع احتياجاته، مثل تمديد الفترات التجريبية أو تقديم عروض مخصصة.
ميرور: براءة اختراع مقدسية
ومن القدس، برزت قصة تحدٍ يجسدها المهندس محمود صندوقة عبر شركة ميرور (Mirror) المتخصصة في الأمن السيبراني. تسعى الشركة لإعادة صياغة مفهوم تداول المعلومات وحمايتها عبر ابتكار تقني حصلت بموجبه على براءة اختراع مسجلة عالميا.
تطرح ميرور بديلاً تقنيا يغني المؤسسات الكبرى عن الاستثمارات الباهظة في السيرفرات الضخمة وأنظمة الأمن التقليدية، من خلال نظام التكامل والربط البيني الذي يتيح إدارة البيانات وحمايتها بكفاءة عالية وتكلفة أقل.
كشف صندوقة عن اهتمام ملحوظ من مؤسسات قطرية، وفي مقدمتها مؤسسة حمد الطبية، بتبني هذه التكنولوجيا لحماية المعلومات الشخصية والطبية، واصفا تواجد شركته في الدوحة بأنه نافذة واسعة لكسر الجدار النفسي والتقني الذي فرضه الاحتلال على المقدسيين.
صالون: رقمنة قطاع التجميل
نجحت منصة صالون (Salon) في تقديم نظام متكامل لرقمنة وتنظيم أعمال مراكز التجميل. وأوضح مهندس البرمجيات يزن الكركي أن التطبيق يدير الحجوزات وملفات الزبائن والموظفين وأدوات التسويق الرقمي.
انطلقت المنصة من رام الله ونجحت في إثبات كفاءتها في السوق الفلسطيني قبل التوسع إلى الأردن ومصر. ومن خلال قمة الويب، أعلن الفريق بدء إجراءات التسجيل الرسمي لدخول السوق القطري بعد بناء شبكة علاقات مع مراكز تجميل وشركات تقنية في الدوحة.
تطمح المنصة لتصدر قائمة مقدمي الحلول التقنية في صناعة التجميل على مستوى الوطن العربي كخطوة أولى تمهيدا للعالمية.
سراج: واقع افتراضي لرسم الخرائط المهنية
وظفت منصة سراج (Siraj) تقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي لحل فجوة التوجيه المهني لطلبة المدارس من الصف التاسع حتى الثاني عشر. وأوضحت ممثلة المنصة، سارة ديه، أن النظام يعتمد على اختبارات تحليل الشخصية.
يأتي بعدها مستشار ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يقدم نصائح مخصصة، وصولا إلى تقنية الواقع الافتراضي التي تسمح للطالب بمعايشة يوم عمل كامل في وظيفته المستقبلية.
تسعى المنصة التي تتخذ من رام الله وعمّان مقرا لها، لحل مشكلة عالمية تواجه الطلاب، وهي الحيرة في اختيار التخصص الجامعي، وتؤكد سارة أن الطموح والإيمان بالهدف هما المحرك الأساسي للفريق رغم ظروف الاحتلال.
تاب: التوظيف عن بُعد
وفي ظل التحديات القاسية بقطاع غزة، تعمل منصة تاب (Tap) كجسر لتمكين المواهب من الوصول إلى وظائف قطاع التكنولوجيا العالمي. وأوضحت نور زقوت، مديرة المجتمع في المنصة، أن تاب تهدف لتدريب الخريجين في مجالات البرمجة والتسويق الرقمي وتشبيكهم مع فرص عمل دولية تكسر حواجز الحصار.
رغم تدمير البنية التحتية ومساحات العمل في غزة بسبب الحرب، أعلنت المنصة عن مشروع طموح لتدريب 600 فلسطيني هذا العام. وأشارت زقوت إلى أن الحل الأمثل لمواجهة البطالة المتفاقمة يكمن في العمل عن بُعد، حيث نجحت المنصة سابقاً في توظيف 80% من خريجيها في أسواق أوروبا والخليج.
وفقا لزقوت، فقد أثمر تواجد تاب في القمة عن جذب مستثمرين وموجهين دوليين لدعم إرادة الشباب الغزي الذي يصر على التفوق مهنيا رغم الدمار.
فرص: رقمنة التوظيف واستقطاب المواهب
تستهدف منصة فرص (Foras)، التي تقودها صفاء عياد، أتمتة دورة التوظيف الكاملة للشركات. وتعمل المنصة حاليا في الأردن وسوريا وعُمان والإمارات، وتقدم فرص حلولاً تكنولوجية تسهل استقطاب المواهب.
ويضم فريق المنصة 11 مختصا، يركز أكثر من نصفهم على التطوير التقني. وتهدف المشاركة في الدوحة إلى استقطاب استثمارات جديدة وتدشين عمليات الشركة رسميا في قطر.
هذه النماذج الستة تثبت أن قطاع التكنولوجيا الفلسطيني لم يعد مجرد قطاع ناشئ، بل هو مختبر ابتكار ينتج حلولا تنافسية عالمية، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتحرر الاقتصادي وربط الكفاءات المحاصرة بفرص العالم الواسع.







