يعد تطبيق "كاب كات" (CapCut) مثالا بارزا على تحوّل إنتاج المحتوى الرقمي. إذ تجاوز عدد مستخدميه النشطين شهريا 800 مليون مستخدم عالميا. ولكن رغم الفرص الإبداعية التي يوفرها، فإن شروط الاستخدام المعقدة تُخفي قضايا حساسة تتعلق بالخصوصية والملكية الفكرية والسيادة الرقمية.
في هذا الإطار، أثار التحديث الأخير لشروط استخدام التطبيق جدلا واسعا بعد أن منحت الشركة نفسها حقوقا شاملة ودائمة "بدون أجر"، و"قابلة للترخيص من الباطن" على المحتوى الذي يرفعه المستخدمون. ويتضمن ذلك ملامح الوجه، ونبرة الصوت، وحتى المواد غير المنشورة أو المحفوظة محليا على أجهزتهم.
ماذا تعني شروط "كاب كات" الجديدة؟
تتركز المخاوف حول بند يمنح "كاب كات" حق استخدام مقاطع الفيديو التي يرفعها المستخدمون بحرية تامة، بما في ذلك لأغراض تجارية. غير أن مراجعة الشروط المعمول بها منذ عام 2023، التي لم تُحدَّث حتى الآن، تظهر أن هذا البند قائم بالفعل ولم يطرأ عليه تغيير جوهري.
تنص الصياغة القانونية المحدثة بوضوح على أن أي محتوى ينشأ أو يرفع إلى خوادم الشركة يعد "غير سري". ويعني استخدام الخدمة تلقائيا منح الشركة وشركائها ترخيصا لا رجعة فيه، وعالميا، وخاليا من الرسوم، وقابلا للنقل والترخيص من الباطن.
يشمل هذا الترخيص أيضا استخدام اسم المستخدم والصورة والصوت لأغراض تعريفية، بما في ذلك في محتوى ترويجي أو مدعوم.
ما الذي يتحمله مستخدم "كاب كات" قانونيا؟
تتمثل إحدى أكثر النقاط المثيرة للقلق في شروط استخدام "كاب كات" في المسؤولية القانونية في حال تضمن المحتوى المرفوع مواد محمية بحقوق الطبع والنشر، مثل مقاطع موسيقية تجارية أو صور لأطراف ثالثة أو قوالب غير مرخصة.
في مثل هذه السيناريوهات، تتنصل الشركة بالكامل من أي تبعات قانونية. وتلقي بالمسؤولية على منشئ المحتوى، حيث تنص الشروط على أن "المستخدم يقر بملكيته الكاملة لجميع الحقوق المتعلقة بالمحتوى الذي ينشره". وفي حال وقوع أي مطالبة قانونية، يتوجب عليه تعويض الشركة.
وبالتالي، إذا استُخدم فيديو ضمن حملة ترويجية، وتبين لاحقا أنه يتضمن مادة غير مرخصة، فإن المسؤولية القانونية تقع على عاتق المستخدم لا على الشركة. وهذا يخلق توترا واضحا بين سهولة الأداة ومجانيتها ودورها في ديمقراطية تحرير الفيديو، وبين ما تفرضه من تنازل واسع عن الحقوق دون استشارة أو تعويض.
ردود الفعل والتحذيرات
وأثارت الشروط الجديدة ردود فعل واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بين صانعي المحتوى. حيث عبر كثيرون عن قلقهم من الاستمرار في استخدام "كاب كات".
بينما اكتفى البعض بالتحذير والتنبيه، لجأ آخرون إلى حذف حساباتهم بالكامل. غير أن حذف الحساب أو المحتوى لا يلغي الرخصة الممنوحة للتطبيق، ما يتيح للشركة الاستمرار في استخدام المحتوى السابق ضمن شروطها.
تنطبق شروط "كاب كات" الجديدة عالميا على جميع المستخدمين. ورغم وجود بنود مخصصة لبعض المناطق، مثل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبرازيل، والمكسيك، واليابان، فإنها لا تغير من جوهر الأمر بأن أي مستخدم يمنح الشركة ترخيصا عالميا، دائما، ومجانيا لاستخدام محتواه، بما في ذلك تجاريا.
تداعيات تمتد إلى المؤسسات الصحفية
في أوروبا، تنص الشروط الخاصة بالاتحاد الأوروبي على الالتزام باللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي تكفل حقوقا مثل الوصول إلى البيانات، وتصحيحها أو حذفها. ولكن هذه الحقوق تنطبق على البيانات الشخصية فقط، ولا تمتد بالضرورة إلى المحتوى الإبداعي نفسه، كالفيديوهات أو الصور، الخاضع لبنود نقل الحقوق في اتفاقية الاستخدام.
أما في الولايات المتحدة، فتتضمن الشروط بندين رئيسيين، وهما التحكيم الملزم لحل النزاعات بدل اللجوء إلى المحاكم العامة، والتنازل عن الحق في الانضمام إلى دعاوى قضائية جماعية. وبموجب ذلك، حتى في حال ممارسات ضارة أو انتهاكات محتملة، قد لا يتمكن المستخدمون قانونيا من مقاضاة الشركة ضمن دعوى جماعية.
لم تعد تداعيات شروط استخدام "كاب كات" متعلقة بالأفراد فقط، بل امتدت إلى المؤسسات الصحفية والمهنية التي تعتمد على إنتاج محتوى عمودي سريع لمنصات مثل "تيك توك" و "إنستغرام".
إذ تمنح هذه الشروط الشركة ترخيصا دائما وغير قابل للإلغاء لاستخدام المحتوى، يشمل "التوزيع" و"التعديل" و"الترخيص من الباطن"، دون إخطار أو تعويض، مع اعتبار كل ما يرفع "غير سري"، حتى لو تضمن مقابلات حصرية أو مواد غير منشورة.
ويضع هذا الواقع الصحفيين أمام تحديات أخلاقية وقانونية خطيرة، لاحتمال استخدام أسمائهم وصورهم وأصواتهم في مواد ترويجية دون إذن، بما يعرضهم لمخاطر شخصية ومهنية، خصوصا في بيئات معادية للصحافة أو أثناء تغطية قضايا حساسة.
ورغم أن "كاب كات" غير معتمد رسميا في المؤسسات الكبرى، فإنه بات أداة يومية للمراسلين، ما يجعل مراجعة الأدوات التحريرية ضرورة ملحة، خصوصا مع غياب أي مؤشرات على تراجع الشركة عن شروطها حتى الآن.
ولا ينبغي النظر إلى تحديث "كاب كات" على أنه مجرد تغيير تقني، بل كنداء للاستيقاظ. فالمسألة لا تتعلق بالتخلي عن الابتكار، بل بفهم أن هذه المنصات ليست "صناديق أدوات مجانية"، بل كيانات تجارية تطلب، في المقابل، تنازلات قانونية واسعة عن الحقوق والخصوصية.
وهذا يفرض على الصحفيين والمحررين إعادة تعريف علاقتهم بهذه الأدوات، والوعي بأن شروط الاستخدام ليست هامشا قانونيا، بل سياسة تحريرية تؤثر على استقلالية المحتوى وسلامة المصادر وسرية المواد.







