في الثالث من يناير، استيقظ العالم على نبأ عملية عسكرية خاطفة في كاراكاس أطلقت عليها واشنطن اسم "عملية العزم المطلق". أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات. ورغم ضخامة الحدث السياسي، إلا أن "الزلزال التقني" الذي خلفته العملية كان أكثر إثارة؛ حيث كشفت التسريبات عن الدور المحوري والمثير للجدل لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلاود" (Claude) التابع لشركة "أنثروبيك" (Anthropic) في توجيه الضربة الاستخباراتية.
بوابة "بالانتير": كيف تسلل "كلاود" إلى غرف العمليات السرية؟
لم تكن "أنثروبيك" -التي بلغت قيمتها 380 مليار دولار- وجها مألوفا في صفقات السلاح، بل كانت تسوق نفسها كالنقيض "الأخلاقي" لشركات الذكاء الاصطناعي الأخرى. وأكدت أنها رائدة في "الذكاء الاصطناعي الآمن والأخلاقي".
وتعمل العديد من شركات الذكاء الاصطناعي على بناء أدوات مخصصة للجيش الأمريكي. ويتوفر معظمها فقط على الشبكات غير السرية المستخدمة عادة للإدارة العسكرية. ولكن "أنثروبيك" تُعد الشركة الوحيدة التي تتيح استخدام نموذجها للذكاء الاصطناعي ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة.
ومع ذلك، فإن الحكومة لا تزال ملزمة بسياسات الاستخدام الخاصة بالشركة التي تحظر استخدام "كلاود" لدعم العنف أو تصميم الأسلحة أو إجراء عمليات المراقبة. وهو ما فتح باب التساؤل حول كيفية استخدام الجيش للنموذج في عملية أدت لاندلاع اشتباكات وقتلى من الجانب الفنزويلي.
المهام العملياتية: "العقل التحليلي" خلف 150 طائرة
لكن الحقيقة التقنية الميدانية كشفت مسارا مختلفا؛ فلم يستخدم الجيش الأمريكي "كلاود" عبر واجهة دردشة تقليدية، بل تم توظيفه عبر شركة أخرى هي "بالانتير تكنولوجيز" (Palantir Technologies). وبلانتير شركة متخصصة في تحليلات البيانات وتُستخدم منصاتها وأدواتها على نطاق واسع من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالات إنفاذ القانون.
وما فعلته بالانتير أنها كانت بمثابة "الجسر الآمن" الذي سمح بنقل نموذج "كلاود" من الاستخدام المدني إلى قلب العمليات العسكرية السرية. حيث عملت منصاتها كبنية تحتية دمجت نموذج "كلاود" مع تدفقات البيانات العسكرية الضخمة.
واستفادت بلانتير هنا من ميزة حاسمة في نموذج "كلاود"، وهي أنه نموذج الذكاء الاصطناعي المتقدم الوحيد الذي تتيح الشركة المطورة له إمكانية استخدامه ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة مثل "بالانتير" في هذه الحالة.
سقوط قناع "الذكاء الاصطناعي الآمن": مأزق "أنثروبيك"
ففي حين تقتصر نماذج الشركات المنافسة مثل أوبن إيه آي (Open AI) غالبا على الشبكات غير السرية المخصصة للأعمال الإدارية، وفرت "بالانتير" القناة الأمنية المشفرة التي سمحت لـ"كلاود" بالوصول إلى بيانات حساسة وفورية لا يمكن للبشر معالجتها بالسرعة المطلوبة.
فقد تجاوز دور "كلاود" في عملية "العزم المطلق" مجرد التحضير والتدريب ليكون "عقلا تحليليا" يعمل في الوقت الحقيقي. وتلخصت مهامه التقنية في: تحليل الصور العلوية، وفك التداخل الاستخباراتي، والدور في "العمليات النشطة".
وتجدر الملاحظة هنا أن دور "كلاود" كان تحليليا. فهو لم يتحكم في الأسلحة مباشرة، بل رسم خارطة الطريق الاستخباراتية لها. بينما استخدم البنتاغون أنظمة أخرى تولت مهام "إدارة الأنظمة المستقلة".
تداعيات الصدام: هل يضحي البنتاغون بـ"كلاود"؟
وضعت هذه العملية شركة "أنثروبيك" ورئيسها التنفيذي داريو أمودي في موقف حرج للغاية. فالشركة التي تضع "الأمان" كأولوية قصوى تجد الآن تقنيتها متورطة في عملية عسكرية غير مسبوقة. سقط فيها قتلى.
ورغم تأكيد تقرير صحيفة وول ستريت جورنال استخدام "كلاود" في عملية اعتقال مادورو، فإن الشركة رفضت تأكيد استخدام تقنيتها في تلك العملية. واكتفى متحدثها الرسمي بالقول: "لا يمكننا التعليق عما إذا كان كلاود قد استُخدم في أي عملية محددة".
ويواجه استخدام "كلاود" في كاراكاس معارضة مباشرة لسياسات الشركة التي تحظر استخدامه في تسهيل العنف وتطوير الأسلحة وإجراء المراقبة.
تداعيات الصدام: هل يضحي البنتاغون بـ"كلاود"؟
وكان داريو أعرب سابقا عن مخاوفه من أن الأنظمة السياسية قد لا تكون ناضجة بما يكفي لاستخدام قوة الذكاء الاصطناعي في عمليات فتاكة، وهو ما يبدو أنه تحقق بالفعل في هذه العملية.
وأدى التوتر بين المبادئ الأخلاقية للشركة والطموحات العسكرية لوزارة الدفاع الأمريكية إلى شرخ قد يكلف الكثير. فقد بدأت "أنثروبيك" في إجراء تحقيق داخلي لاستقصاء حقيقة استخدام برمجياتها في العملية، مما أثار حفيظة البنتاغون الذي يخشى من "تمرد أخلاقي" للشركة يعيق العمليات المستقبلية.
ونتيجة لذلك، يدرس المسؤولون الأمريكيون الآن بجدية احتمال إلغاء عقد بقيمة 200 مليون دولار مع "أنثروبيك" وإعادة النظر في الشراكة الاستراتيجية بسبب القيود التي تفرضها الشركة والتي قد تعتبرها الواجهة العسكرية "عائقا" في ساحات المعارك.







