فتح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان حاسوبه ليجد أن بريده الإلكتروني قد اختفى بالكامل. وأكدت مصادر أن ذلك لم يكن نتيجة اختراق أو عطل تقني، بل كان نتيجة للعقوبات الأمريكية التي حولت "مايكروسوفت" من مزود خدمة إلى أداة ضغط سياسي.
في تلك اللحظة، أدركت أوروبا بجميع مؤسساتها أن السيادة الرقمية لم تعد ترفا فكريا، بل حالة طوارئ تشغيلية يجب حمايتها والسيطرة عليها.
ورصد برنامج "حياة ذكية" هذا التحول غير المسبوق في المشهد التقني الأوروبي، الذي انطلقت شرارته بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين. وردت الولايات المتحدة بأمر تنفيذي أسقط حساب المدعي العام على "مايكروسوفت" وقطع وصوله إلى ملفات قضايا حساسة.
تحولات تقنية في أوروبا
تصرفت المحكمة بحزم فتخلت عن حزمة "مايكروسوفت أوفيس" وانتقلت إلى منصة "أوبن ديسك" الأوروبية مفتوحة المصدر. أشعلت هذه الحادثة ثورة أوروبية أشمل، حيث تخلى الجيش النمساوي بالكامل عن خدمات "مايكروسوفت".
استبدلت مدينة ليون الفرنسية أدواتها بأنظمة مفتوحة المصدر، في حين نقلت الحكومة الفرنسية 5 ملايين و700 ألف موظف حكومي إلى منصة "فيزيو" الحكومية بديلا عن "زووم".
وعلى جبهة الذكاء الاصطناعي، تقدمت شركة "ميسترال إيه آي" الفرنسية كرأس حربة أوروبية، حيث أطلقت تطبيق "لو شات" للهواتف. وخرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التلفاز الوطني يحث المواطنين على تحميله بدلا من "شات جي بي تي"، ليحقق التطبيق مليون تحميل في أسبوعين فقط.
استثمارات أوروبية في التقنية
بحلول سبتمبر، جمعت "ميسترال" مليارا و700 مليون يورو عند تقييم بلغ 11.7 مليار يورو، ثم أعلنت عن استثمار 1.2 مليار يورو في مراكز بيانات سويدية تُفتح عام 2027.
في إطار التحالف الأوسع، أسست فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا كيانا قانونيا غير مسبوق أُطلق في لاهاي تحت اسم "تحالف البنية التحتية الرقمية الأوروبية للمشاعات الرقمية"، والذي يملك شخصية قانونية مستقلة وصلاحية إبرام عقود وامتلاك ملكية فكرية.
تتمثل مهمة هذا الكيان في بناء مشاعات رقمية مفتوحة تغطي خمسة قطاعات: الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، الأمن السيبراني، الجيوماتكس، والشبكات الاجتماعية.
التحديات الرقمية في أوروبا
من جهة أخرى، امتدت الثورة إلى الساحات الاجتماعية، حيث أطلقت المفوضية الأوروبية خادمها الرسمي على شبكة "ماستودون" اللامركزية، خالية من "خوارزميات الاستفزاز" ومن بيع البيانات للمعلنين.
وتعمل بروتوكولات مفتوحة تجمع تحتها منصات تنافس "إكس" و"إنستغرام" و"يوتيوب" و"واتساب". ورغم ذلك، تبقى التحديات جسيمة، إذ لا تزال أكثر من 70% من التقنيات الرقمية المستخدمة في أوروبا مستوردة.
تستحوذ أمريكا على 80% من القيمة السوقية التقنية العالمية مقابل 4% لأوروبا. ورغم تقييم "ميسترال" المبهر، فإنها تظل قزما أمام عمالقة لديهم ميزانيات تشغيل تفوق اقتصادات دول بأكملها. ما تبنيه أوروبا ليس نسخة من وادي السيلكون، بل معمارية مختلفة جوهريا: اتحادية لا مركزية، مفتوحة المصدر لا مغلقة.







