تواصل إسرائيل حربها في غزة وتبقي جبهات أخرى مفتوحة عند حدودها الشمالية، مع تصاعد التوترات على الجبهة الإيرانية. وفي هذا السياق، تتزايد التحذيرات من أن الضغوط الاقتصادية قد لا تنتهي بانخفاض وتيرة القتال، بل قد تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها "تضخم ما بعد الحرب".
على الرغم من أن مؤشرات الأسعار عادت مؤخرًا إلى نطاق أكثر اعتدالًا، فإن المخاوف تتركز حول أثر الإنفاق العسكري المتواصل واتساع العجز المالي على المدى المتوسط.
تحذير أكاديمي: انتعاش غير مضمون
يبدي البروفيسور إفرائيم بنملخ، الذي نشر دراسة واسعة حول أثر الحروب على الاقتصادات، تشككًا واضحًا إزاء توقعات انتعاش سريع للاقتصاد الإسرائيلي بعد انتهاء العمليات العسكرية. ويقول: "في السابق كانت النفقات الأمنية تتراجع بعد الأزمات، أما الآن فالتعاظم الأمني مستمر". مضيفًا أنه أكثر حذرًا "رغم التوقعات الوردية".
ويرى بنملخ أن البيئة الحالية تختلف عن أزمات سابقة خرج منها الاقتصاد الإسرائيلي بسرعة نسبية، مشيرًا إلى أن استمرار مسار إنفاق مرتفع قد يحدّ من قدرة الاقتصاد على استعادة زخمه في وقت قصير.
تعكس البيانات المالية اتساع الضغوط على المالية العامة، حيث أشارت تقارير سابقة صادرة عن البنك المركزي الإسرائيلي إلى أن كلفة الحرب الحالية تُقدَّر بعشرات المليارات من الشواكل، مع انعكاسات مباشرة على العجز والدين العام. كما رفعت الحكومة سقف الإنفاق وعدّلت الموازنة لاستيعاب المتطلبات الأمنية، ما أدى إلى زيادة الاقتراض وتوسيع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات.
دروس من 135 حربًا: تضخم ونمو أضعف
مع استمرار العمليات في غزة والتوترات على جبهات أخرى، تتجه النفقات الدفاعية إلى مستويات أعلى من تلك التي سادت بعد أزمات سابقة، ما يقلّص هامش المناورة أمام صناع القرار ويزيد حساسية الاقتصاد لأي تباطؤ داخلي أو صدمة خارجية. ويستند تحذير بنملخ إلى دراسة شملت 135 حربًا شاركت فيها 115 دولة خلال 75 عامًا بعد الحرب العالمية الثانية، وخلصت الدراسة إلى أن الناتج الحقيقي في الدول المتورطة في النزاعات ينخفض بنحو 13% خلال العقد اللاحق.
بينما يتراجع الاستثمار بأكثر من 13%، ويهبط الاستهلاك بنحو 11% مقارنة بدول مماثلة لم تخض الحرب. كما تسجل تلك الاقتصادات مستويات تضخم أعلى نتيجة التوسع النقدي وتمويل الإنفاق العسكري. ويؤكد بنملخ أن التضخم يلعب دورًا محوريًا في تمويل الحروب، إذ ترتفع الكتلة النقدية ومؤشرات الأسعار بعد النزاعات، ما يخلق بيئة ضاغطة على القدرة الشرائية.
وعن التجارب السابقة، يشير إلى أن إسرائيل شهدت تجربة مشابهة بعد حرب عام 1973، حين ارتبطت موجة تضخمية حادة بارتفاع النفقات العسكرية في السنوات اللاحقة. ورغم وصفه إسرائيل بأنها "أنوماليا تجريبية" في كثير من النماذج الاقتصادية بسبب قدرتها على التعافي السريع نسبيًا، فإنه يحذر من أن السياق الحالي قد يختلف، فاستمرار التعبئة الأمنية، واتساع الإنفاق الدفاعي، وتزايد الدين العام قد يضع الاقتصاد أمام مسار تآكل تدريجي بدل انتعاش سريع.







