تتكرر الشكوى خلال رمضان من التعب والفتور الجسدي ورغبة أقل، مما يؤدي إلى حكم سريع مفاده أن "التستوستيرون هبط بسبب الصيام". التستوستيرون هو الهرمون الجنسي الذكري الرئيسي، ويعتبر مسؤولاً عن تطوير الخصائص الذكورية في جسم الرجل، مثل شعر الجسم والوجه وكتلة العضلات وكثافة العظام، بالإضافة إلى التحكم في الرغبة الجنسية والحالة المزاجية.
في المخيال الشعبي، ساعات الجوع تعني هبوط "بطارية الرجولة". لكن عند العودة إلى الأدلة العلمية، لا نجد أن صيام رمضان يتسبب في تراجع هرمون الذكورة كما يتخيل البعض. الصورة أكثر دقة وهدوءاً، حيث توضح أن الصيام نفسه غالباً ليس المشكلة، بل ما نفعله خلاله، مثل كيفية النوم، وماذا نأكل، وكيف نتحرك، وكيف ندير توترنا.
دراسة منشورة في مجلة "نوترينتس" خلصت إلى أن أنماط الصيام المتقطع قد تخفض بعض مؤشرات هرمون الأندروجين مثل هرمون التستوستيرون لدى رجال نحفاء نشطين بدنيا. ومع ذلك، تبقى هذه التغيرات في الغالب ضمن المدى الفسيولوجي الطبيعي، ولم تُترجم في الدراسات المتاحة إلى تراجع في الكتلة العضلية أو القوة.
لا انهيار هرموني
تابعت دراسة أخرى منشورة في "المجلة الصحية لشرق المتوسط" مستويات التستوستيرون وهرمونات الغدة النخامية لدى 52 شاباً صائماً، ووجدت انخفاضاً محدوداً يحدث ضمن الإطار الفسيولوجي، دون تغير دائم في هرمون الرجولة. بالمقابل، تظهر دراسات على التقييد الحاد والمزمن للسعرات، كما في الحميات القاسية جداً واضطرابات الأكل، انخفاضاً ملحوظاً في التستوستيرون لدى الرجال، وهو سيناريو مختلف تماماً عن صيام رمضان مع إفطار وسحور متوازنين.
الخلاصة العلمية هي أنه لا يوجد دليل على أن صيام رمضان المنضبط يسبب "انهيار الرجولة". لكن توجد أدلة أقوى بكثير على أن السمنة، وقلة النوم، والتوتر المزمن هي التي تضغط على هرمون التستوستيرون.
لماذا يشعر بعض الرجال بفتور في رمضان؟
مستوى التستوستيرون ليس ثابتاً، فهو بطبيعته:
- يبلغ ذروته صباحاً.
- ينخفض مساء.
- ويتأثر بشكل مباشر بالنوم والتغذية والضغط النفسي.
دراسة نشرت في مجلة "جاما" تناولت تأثير تقييد النوم على مستويات التستوستيرون لدى رجال شباب أصحاء، حيث قلص الباحثون النوم إلى نحو 5 ساعات يومياً لمدة أسبوع، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في التستوستيرون مع شعور واضح بتراجع الطاقة والحيوية.
في رمضان، ما يتغير في حياة الكثير من الرجال ليس الهرمون أولاً، بل "المسرح" حوله، حيث يتبعثر النوم بين سهر ليلاً ونوم مجزأ نهاراً، وتمتد السهرات أحياناً إلى ما بعد الفجر. كما يرتفع استهلاك السكريات والمقالي ليلاً، مما قد يؤدي إلى زيادة الوزن بدلاً من انخفاضه.
عند جمع هذه العوامل، يصبح الشعور بالتعب والفتور مفهوماً حتى لو كانت تحاليل التستوستيرون طبيعية، مما يطرح السؤال: هل المتهم هو الصيام أم السهر ونمط الحياة؟
دهون البطن.. العدو الهادئ لهرمون الرجولة
السمنة، وخاصة الدهون الحشوية في البطن، ليست مجرد مسألة شكل، بل هي مشكلة هرمونية أيضية. أوضحت دراسات أن الدهون الحشوية ترتبط بزيادة نشاط إنزيم الأروماتاز في الأنسجة الدهنية، مما يحول جزءاً من التستوستيرون إلى إستروجين ويسهم في خفض هرمون الرجولة.
دراسة حديثة نشرت في مجلة كيوريوس، أكدت أن فقدان الوزن، خاصة خفض مؤشر كتلة الجسم والدهون الحشوية، يرتبط بارتفاع واضح في مستويات التستوستيرون وتحسن في التوازن الأيضي لدى الرجال المصابين بالسمنة.
يمكن أن يكون رمضان فرصة لتحسين الوزن والصحة الأيضية، أو موسماً لتكديس السكريات والمقالي ليلاً وزيادة محيط الخصر. من الناحية الهرمونية، تعتبر دهون البطن عاملاً فعالاً يخفض التستوستيرون ويزيد من مخاطر السكري وأمراض القلب.
القواعد الذهبية الأربع لحماية هرموناتك في رمضان
1- النوم أولا.. لا رجولة بلا نوم
النوم العميق هو الوقت الذي ينتج فيه الجسم أكبر قدر من التستوستيرون. وعندما تتحول ليالي رمضان إلى سباق بين المسلسلات والشاشات والسهر حتى الفجر، فإنك عملياً تغلق مصنع الهرمون في جسدك.
ما الذي يمكن فعله واقعياً؟
- اجعل هدفك أن تنام نحو 7 ساعات إجمالية.
- اجعل الجزء الأعمق من نومك قبل الفجر.
- خفف الشاشات والمنبهات في الساعات التي تسبق النوم.
من دون نوم كاف ومنظم، لا مكملات ولا أعشاب ستعوض النقص.
2- طبق ذكي لا إفطار اندفاعي
ما تضعه في طبقك هو "المواد الخام" لهرموناتك. احرص على تناول بروتين كافٍ من بيض وألبان أو بقوليات أو لحوم أو دجاج غير مقلي، بالإضافة إلى دهون صحية مثل زيت الزيتون أو المكسرات أو أسماك دهنية.
تجنب الإفراط في تناول الحلويات والمقالي، حيث إن الدهون الزائدة التي تُكتسب في ليالي رمضان قد تواصل خفض التستوستيرون ورفع مخاطر السكري والقلب.
3- تمارين المقاومة.. الحديد الذي يصون رجولتك
تشير الدراسات إلى أن تمارين المقاومة ترفع مستويات التستوستيرون لفترة قصيرة بعد الجلسة، كما تحافظ على الكتلة العضلية وحساسية الإنسولين على المدى الطويل. في رمضان، يكفي القيام بحصتين أو ثلاث من تمارين المقاومة أسبوعياً.
4- قلل التوتر.. الكورتيزول ليس صديقك
الضغط النفسي المزمن يرتبط باضطراب المحور الهرموني وارتفاع هرمونات التوتر على حساب هرمونات أخرى أكثر هدوءاً. في رمضان، يمكن أن يكون الضغط ناتجاً عن محاولة "النجاح في كل شيء" من عبادة وعمل وعلاقات في وقت ضيق.
ماذا عن الحقن الهرمونية؟
تحذر الهيئات التنظيمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من استخدام علاج التستوستيرون دون وجود أعراض واضحة لنقص الهرمون. الحقن ليست حلاً سحرياً لفتور سببه نمط الحياة. الخطوة الناضجة هي مراجعة طبيب متخصص إذا استمرت الأعراض بعد رمضان رغم تحسين نمط حياتك.
برنامج رمضان الهرموني للرجل
بدل سؤال "ماذا يفعل الصيام بهرموناتي؟"، الأصح هو أن نسأل "كيف أتعامل أنا مع رمضان؟". إليك خطة مختصرة: نوم إجمالي يقارب 7 ساعات يومياً، تمارين مقاومة مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، وإفطار وسحور متوازنان. لا توجد "مؤامرة بيولوجية" ضد الرجولة في رمضان، بل يتأثر التستوستيرون بنمط حياتك.







