كابل – في مسعى جديد لتنشيط اقتصاد أفغانستان، أعلنت الحكومة الأفغانية منح المستثمرين الأجانب إقامة قانونية تمتد من عام إلى عشرة أعوام مقابل الاستثمار داخل البلاد. ويأتي هذا القرار في محاولة لتعزيز تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
ورغم هذا القرار، تُظهر البيانات أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفغانستان ظلت منخفضة جدًا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تتجاوز 20.6 مليون دولار في عام 2021، مقارنة بمستويات أعلى قبل 2018. كما تشير تقديرات حديثة إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في أفغانستان بقي باهتًا خلال السنوات اللاحقة، ما يعكس تراجع قدرة البلاد على جذب رؤوس الأموال منذ 2021.
وأشار المتحدث باسم وزارة التجارة والصناعة الأفغانية، عبدالسلام أخوند زاده، إلى أن الوزارة أصدرت تراخيص استثمار لأكثر من 150 مستثمراً أجنبياً خلال العام الماضي، مبيناً أن هناك اهتماماً من شركات في الصين وروسيا والولايات المتحدة ودول عربية.
جهود لجذب الاستثمار
وتندرج خطوة منح الإقامة القانونية ضمن سلسلة إجراءات تستهدف تحسين مناخ الاستثمار وتنشيط الحركة الاقتصادية. وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الجهات الاقتصادية الرسمية دعواتها للمستثمرين المحليين والأجانب، مع التركيز على قطاعات حيوية مثل التعدين والزراعة والطاقة والصناعات التحويلية.
كما أعلنت حكومة كابل عن تسهيلات إدارية تتعلق بتسجيل الشركات ومنح التراخيص، إلى جانب المشاركة في منتديات ومعارض اقتصادية إقليمية للترويج للفرص الاستثمارية في البلاد، في محاولة لتعويض تراجع الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن هذه الجهود تعكس سعيًا رسميًا لإعادة تنشيط السوق وخلق فرص عمل. غير أن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرة الحكومة على معالجة التحديات القائمة، وفي مقدمتها آليات التمويل والتحويلات واستقرار البيئة التنظيمية.
إستراتيجية الحكومة
وقال الملا عبد الغني برادر، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إن اللجنة الاقتصادية صادقت على منح المستثمرين الأجانب إقامة قانونية، تتراوح بين سنة وعشرة أعوام مقابل الاستثمار في أفغانستان، وذلك في إطار جهود الحكومة لتحفيز الاستثمار وتنشيط السوق المحلية.
وأضاف برادر في بيان رسمي أن الحكومة تسعى إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع شركاء إقليميين ودوليين، وتوفير بيئة استثمارية مشجعة للمستثمرين المحليين والأجانب، داعيًا إلى زيادة التعاون بدلًا من العقوبات والضغوط.
وأشار إلى أن أفغانستان توفر فرصًا كبيرة للاستثمار في قطاعات متعددة، مشددًا على دعم الحكومة الكامل للمستثمرين وتشجيعهم على استكشاف الفرص المتاحة.
فرص وتحديات
ويرى مختصون اقتصاديون أفغان مستقلون أن خطوة منح الإقامة القانونية للمستثمرين الأجانب تمثل حافزًا مهمًا، لكنها لن تكون كافية بمفردها لجذب رؤوس الأموال إلى البلاد، خصوصًا في ظل تحديات هيكلية قائمة في الاقتصاد.
يقول الخبير الاقتصادي الأفغاني ناصر الدين تيموري إن "الإقامة الطويلة للمستثمرين تُعد حافزًا مشجعًا، لكن نجاحها يعتمد على قدرة الحكومة على معالجة الصعوبات البنكية وقيود التحويلات المالية، وكذلك استقرار البيئة القانونية والتشريعات الاستثمارية. بدون هذه العناصر، سيظل المستثمرون مترددين، حتى مع وجود حوافز قانونية".
وأضاف تيموري أن "تعزيز الاستثمار الأجنبي يتطلب إصلاحات أوسع تشمل تطوير البنية التحتية، وتعزيز الشفافية في الإجراءات، وتقديم ضمانات للمستثمرين"، مؤكدًا أن القرار الجديد خطوة أولى تحتاج إلى دعم مستدام حتى تؤتي نتائج ملموسة على أرض الواقع.
انعكاسات القرار
ويقول أحمد نيازي، وهو صاحب مشروع صغير في كابل، إن المستثمرين المحليين يراقبون عن كثب الخطوات الحكومية الجديدة، معتبراً أن "القرار جيد ويعكس اهتمام الحكومة بجذب الاستثمار، لكن لدينا تساؤلات حول كيفية تحويل هذه الحوافز إلى واقع ملموس". وأضاف: "هناك تحديات في التحويلات المالية، وبعض الإجراءات الإدارية ما زالت تستغرق وقتًا طويلًا، نأمل أن تسهّل هذه الخطوة عملنا وتجعل السوق أكثر نشاطًا".
وأضاف نيازي أن أمل التجار والمستثمرين يكمن في استمرار دعم البيئة الاستثمارية ومعالجة العقبات العملية، بما يمكّن المشاريع الصغيرة والمتوسطة من النمو والمساهمة في الاقتصاد المحلي.
اختبار التنفيذ
ويمثل قرار منح الإقامة القانونية للمستثمرين الأجانب خطوة جريئة لتحريك الاقتصاد الأفغاني، وإعادة جذب رأس المال بعد سنوات من تراجع الاستثمار الأجنبي. غير أن اقتصاديين يشيرون إلى أن نجاح هذه المبادرة مرتبط بقدرة الحكومة على تحويل الحوافز النظرية إلى واقع عملي، عبر تسهيل التحويلات المالية، وضمان استقرار التشريعات، وتقديم ضمانات للمستثمرين المحليين والأجانب.
وفي حال نجحت هذه الخطوات، قد يشهد الاقتصاد الأفغاني تدفق استثمارات جديدة في قطاعات حيوية، وخلق فرص عمل حقيقية، وتنشيط السوق المحلية. وأما إذا استمرت العوائق الإدارية أو تأخر التنفيذ، فقد تبقى المبادرة حافزًا نظريًا دون أثر ملموس على الاقتصاد أو حياة المواطنين.







