مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي. أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي.
مشهد ضبابي من جديد
في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة. ونسب الرسوم. والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنها توصّلت إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير. ومن المحتمل الإسراع في إعادة تكوين المخزونات أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.
وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج "واجه الأمة" على شبكة "سي بي إس"، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: "من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار"، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية، بل في وضوح تنظيمي مستقر.
تخطيط شبه مستحيل
قال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة "إرنست آند يونغ- بارثينون"، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: "شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل". وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة، حيث تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي.
كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت الفترات السابقة بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس "الاحتياطي الفيدرالي" أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع. غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ.
تفاؤل حذر رغم الضبابية
تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد، حيث أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال الفترة المقبلة. كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية. إلا أن موجة عدم اليقين الجديدة قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة، وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة جديدة على نطاق واسع.
أشار القاضي نيل غورسوش في رأيه المؤيد للأغلبية إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم. وفي الوقت نفسه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين، أن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين.







