قال الخبراء إن القفزة الأخيرة في معدل البطالة في بريطانيا تعد امتدادا لتباطؤ دوري يمر به سوق العمل. وأضافوا أن تزامنها مع مؤشرات نمو باهتة، وضعف في الإنتاجية، وتراجع في ثقة المستهلكين، يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني يواجه اختبارا عميقا يمس قدرته على استعادة مسار نمو مستدام بعد أعوام من الصدمات المتراكمة.
أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني ارتفاع معدل البطالة إلى 5.2% في الأشهر الثلاثة الأخيرة. وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، مقارنة بـ5.1% في الربع السابق. بالتوازي مع تباطؤ نمو متوسط الأجور الأسبوعية إلى 4.2% بعد أن كان 4.4%. وهذا يدل على فتور واضح في ديناميات سوق العمل، وفق مراقبين.
وعلى مستوى الأداء الكلي، لم يتجاوز النمو الاقتصادي 0.1% في الربع الرابع، فيما بلغ 1.3% خلال العام بأكمله. متفوقا هامشيا على 1.1% المسجل في العام السابق، لكنه يظل ضمن نطاق نمو ضعيف لا يعكس تعافيا قويا.
معضلة الفائدة والتضخم
أضاف الخبراء أن ارتفاع البطالة يعزز التوقعات بأن يتجه بنك إنجلترا إلى تخفيف السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. حيث أبقى البنك في اجتماعه الأخير على سعر الفائدة عند 3.75%.
تشير تقديرات بعض المستثمرين إلى احتمال خفضها بربع نقطة مئوية إلى 3.5% في اجتماع مارس المقبل، مع إمكانية الوصول إلى 3% خلال العام إذا استمرت مؤشرات الضعف.
وانخفض التضخم السنوي إلى 3%، مقارنة بـ3.4%، لكنه ظل أعلى من مستواه في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، ما يضع صانعي السياسات أمام معادلة دقيقة بين دعم النمو واحتواء ضغوط الأسعار الأساسية.
تداعيات بريكست
في موازاة هذه التحديات الداخلية، يبرز أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كعامل هيكلي لا يزال يلقي بظلاله على الأداء الاقتصادي. وأشارت دراسات حديثة إلى أن النمو والاستثمار والإنتاجية في المملكة المتحدة جاءت أضعف من اقتصادات متقدمة مماثلة منذ 2016 في ظل حالة ممتدة من عدم اليقين.
تقدر الكلفة التراكمية لهذا التحول بما يتراوح بين 6% و8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، ما يعكس أثرا تدريجيا تراكم عبر السنوات وأسهم في تعميق ضغوط النمو الضعيف وسوق العمل.
يرى الخبير في الاقتصاد السياسي أحمد ياسين أن ما تشهده بريطانيا لا يمكن اختزاله في دورة اقتصادية عابرة، بل يعكس أزمة ممتدة في الإنتاجية. ويشير إلى أن ضعف الإنتاجية ينعكس مباشرة على سوق العمل، حيث لا تستطيع الشركات التوسع أو رفع الأجور بوتيرة كافية.
تكلفة العبء الضريبي
يرى الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل أن ارتفاع البطالة يتمثل في زيادة تكلفة قطاع العمل، نتيجة رفع العبء الضريبي بنحو 40 مليار جنيه إسترليني. كما أشار إلى أن هذه الإجراءات أدت إلى تقليص هامش الربحية لدى الشركات، ما دفع بعضها إلى الحد من التوظيف أو تجميد خطط التوسع.
ويرى إسماعيل أن استمرار هذه السياسة قد يبقي معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة نسبيا خلال الفترة المقبلة. كما أن ارتفاع المديونية الحكومية يمثل تحديا موازيا، إذ من المتوقع أن يبلغ الإنفاق العام نحو 1.37 تريليون جنيه إسترليني، بما يعادل نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي.
يبرز أيضا أن نظام الرعاية الاجتماعية يحتاج إلى إصلاحات هيكلية لضمان استدامته، في ظل تزايد الضغوط على المالية العامة. وتبقى قدرة الاقتصاد البريطاني على الخروج من مسار النمو الضعيف رهنا بمدى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق توازن بين تحفيز الاستثمار وضبط المالية العامة.







