مع دخول شهر رمضان أيامه الأولى، ترتفع وتيرة الاستهلاك في عدد من الاقتصادات العربية. ويلاحظ تغير ملحوظ في أنماط الإنفاق، مما يدفع كثيرًا من رواد الأعمال إلى التساؤل: هل يمثل الشهر الفضيل نافذة ذهبية لإطلاق مشروع جديد، أم أنه موسم مزدحم بالمخاطر والتكاليف؟.
تشير البيانات إلى أن رمضان ليس مجرد فترة ارتفاع في الطلب، بل دورة اقتصادية قصيرة ومكثفة تعيد ترتيب أولويات الأسر، وتضغط على سلاسل الإمداد، وترفع تكلفة الوصول إلى المستهلك.
وفقًا لتقرير صادر عن شركة "إبسوس" لأبحاث السوق حول سلوك المستهلك في رمضان، فإن 6 من كل 10 مستهلكين يخططون لمشترياتهم مسبقًا خلال الشهر، بينما أفاد 67% بأنهم ينفقون أكثر رغم محاولات ضبط الميزانية.
رمضان دورة اقتصادية مكثفة لا موسم بيع تقليدي.
من منظور اقتصادي، يتميز رمضان بكونه شهرا يعاد فيه توجيه السيولة داخل الأسرة، إذ ترتفع مخصصات الغذاء والضيافة والهدايا، مقابل تراجع نسبي في بعض بنود الإنفاق الأخرى.
أظهر تحليل لمعهد ماستركارد للاقتصاد حول إنفاق رمضان في دول الخليج أن الإنفاق على البقالة ارتفع مع استعداد الأسر المبكر للشهر، مما يعكس تسارعا في الطلب الاستهلاكي المرتبط بالتحضير المنزلي.
كما أظهرت بيانات صادرة عن شركة "تي جي إم ريسيرش" في السعودية أن 47% من المستهلكين خصصوا جزءا كبيرا من ميزانيتهم للطعام والشراب خلال رمضان، وأن 44% يعتزمون زيادة الإنفاق الغذائي مقارنة بالفترات الأخرى.
أين تكمن الفرص؟
تشير البيانات إلى أن بعض القطاعات تتواءم هيكليا مع طبيعة رمضان، ما يجعلها أكثر قابلية لتحقيق اختراق سريع في السوق.
1. الأغذية والحلويات والمطابخ
ارتفاع الإنفاق على الغذاء والضيافة يجعل المشاريع المرتبطة بإعداد الوجبات وصناديق الإفطار والحلويات الموسمية من أكثر النماذج جذبا.
غير أن تقارير "إبسوس" تؤكد أن المستهلك يبحث عن القيمة مقابل السعر، ما يعني أن نجاح المشروع يتوقف على ضبط التكلفة وليس فقط على حجم الطلب.
2. التجارة المعتمدة على العروض
تُظهر بيانات "إبسوس" أن نصف المستهلكين تقريبا ينتظرون عروض رمضان، ما يجعل نموذج الإطلاق المعتمد على "عرض مركزي واضح" أكثر فعالية من إطلاق تشكيلة واسعة غير مدعومة بحافز شرائي.
لماذا تفشل مشاريع كثيرة بعد العيد؟
رغم ارتفاع الطلب، تكمن المخاطرة الأساسية في إدارة التدفق النقدي، حيث تُدفع تكاليف المخزون والتغليف والإعلانات والعمالة الموسمية مقدما، بينما قد تتأخر الإيرادات، خاصة في ظل المنافسة السعرية.
ويشير محللون في قطاع التجزئة إلى أن رمضان يشهد غالبًا ارتفاعا في حركة الشراء أسرع من ارتفاع الهوامش الربحية، نتيجة كثافة العروض الترويجية وارتفاع كلفة الإعلانات.
كما أن الطلب ينخفض نسبيا بعد العيد، ما يترك بعض المشاريع أمام مخزون غير مباع أو التزامات مالية قصيرة الأجل. لذلك، لا يُقاس نجاح مشروع رمضان بحجم مبيعاته خلال الشهر فقط، بل بقدرته على الاحتفاظ بجزء من عملائه بعد انتهاء الموسم.
نموذج منهجي من 3 مراحل
رغم الزخم الاستهلاكي الذي يميز رمضان، فإن نجاح أي مشروع جديد لا يتحدد بحجم الطلب وحده، بل بكيفية إدارة الإطلاق ضمن دورة زمنية قصيرة ومكثفة.
المعادلة لا تقوم على الاندفاع نحو السوق، بل على بناء منظم يستند إلى التحضير المسبق والانضباط التشغيلي وخطة واضحة لما بعد الموسم.
يمكن تفكيك عملية الإطلاق الناجح لأي مشروع في رمضان إلى نموذج منهجي من ثلاث مراحل مترابطة.
أولًا: ما قبل رمضان.. تثبيت الأساس
ينصح خبراء الأعمال الصغيرة ببدء التحضير قبل رمضان بأربعة إلى ستة أسابيع عبر تثبيت عقود التوريد، اختبار الطلب عبر الطلبات المسبقة، بناء حضور رقمي واضح، وتحديد عرض واحد رئيسي بدل تعدد المنتجات.
ثانيًا: أثناء الشهر .. التركيز والانضباط
يُفضَّل في مرحلة الإطلاق خلال رمضان التركيز على منتج واحد أو حزمة رئيسية واضحة القيمة، بدل تشتيت الجهد عبر تشكيلة واسعة يصعب ضبطها تشغيليًا.
فالسوق في هذا الشهر سريعة الإيقاع، وأي خلل في التنفيذ ينعكس مباشرة على السمعة، خاصة في ظل المنافسة المرتفعة وسرعة تداول التقييمات عبر المنصات الرقمية.
نافذة دخول لا خط نهاية
تكشف البيانات الصادرة عن "إبسوس" ومعهد ماستركارد للاقتصاد أن رمضان يمثل ذروة في نية الشراء والانتباه الإعلاني، لكنه في الوقت نفسه موسم تنافسي عالي التكلفة.
لذلك، فإن إطلاق مشروع ناجح في رمضان ليس قرارا عاطفيا، بل قرارا اقتصاديا يعتمد على اختيار قطاع يتماشى مع أنماط الإنفاق الموسمية، إدارة دقيقة لرأس المال العامل، عرض واضح مدعوم بالقيمة، وخطة احتفاظ لما بعد العيد.
بذلك، رمضان ليس ضمانا للنجاح، بل اختبارا مكثفا لقدرة المشروع على العمل تحت ضغط السوق.







