مع حلول رمضان، يتكرر السؤال ذاته. لماذا يبدو بعضنا أكثر توترا وأسرع غضبا رغم أن الشهر يفترض أن يكون موسما للسكينة وضبط النفس؟.
الجواب وفق أبحاث حديثة في علم النفس العصبي والطب السلوكي لا يرتبط بعامل واحد، بل بتقاطع معقد بين تغير سكر الدم واضطراب النوم والانسحاب من المنبهات وضغط الإيقاع اليومي.
تشير الدراسات إلى أن انخفاض مستوى الغلوكوز في الدم قد يؤثر في قدرة الدماغ على تنظيم الانفعالات. ووجد الباحثون في دراسة نُشرت بمجلة نيوترينتس أن انخفاض سكر الدم خلال فترات الصيام الطويلة ارتبط بزيادة التوتر وسرعة الاستثارة لدى بعض المشاركين، خصوصا في الساعات التي تسبق موعد الطعام.
العوامل المؤثرة على الغضب في رمضان
ويرتبط ذلك بدور القشرة الجبهية الأمامية – المسؤولة عن ضبط السلوك – التي تعتمد على إمداد مستقر من الطاقة. وعندما ينخفض الغلوكوز، قد تتراجع كفاءة التحكم الانفعالي، ما يجعل ردود الفعل أكثر حدّة.
رمضان يغير إيقاع الحياة: سهر أطول واستيقاظ للسحور وأحيانا قيلولة نهارية غير منتظمة. وفي مراجعة بعنوان "صيام رمضان وأنماط النوم والأداء النهاري" نُشرت في مجلة (جورنال أوف سليب ريسيرش) حللت تأثير تغير أنماط النوم خلال الشهر.
خلصت المراجعة إلى أن تقليص ساعات النوم أو تجزئتها يرتبط بارتفاع مستويات التهيّج وضعف التركيز خلال النهار. وقلة النوم، بحسب الأدبيات النفسية، تقلل قدرة الدماغ على تنظيم الاستجابة العاطفية، وتزيد نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن ردود الفعل السريعة.
انسحاب المنبهات وضغط الحياة اليومية
بالنسبة لمن اعتادوا القهوة أو التدخين، فإن الساعات الأولى من الصيام قد تترافق مع أعراض انسحاب خفيفة: صداع وتوتر وصعوبة في التركيز. وأشارت دراسة نُشرت في مجلة "أديكتيف بيهيفرز ريبورتس" إلى أن التوقف المفاجئ قد يؤدي إلى زيادة القابلية للانفعال خلال أول 24 إلى 48 ساعة.
وفي رمضان، يتكرر هذا الانقطاع يوميا، ما قد يفاقم الشعور بالتوتر، خاصة في الأيام الأولى من الشهر. إلى جانب العوامل البيولوجية، تلعب العوامل الاجتماعية دورا مهما.
فالإيقاع اليومي في رمضان يتغير: ضغط لإنهاء العمل قبل الإفطار، ازدحام مروري قبيل المغرب، وتحضيرات منزلية مكثفة. هذه الضغوط، كما توضح أبحاث علم النفس التنظيمي، تزيد مستوى هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
الضغط النفسي وتأثيره على السلوك
المثير للاهتمام هو أن بعض الدراسات تشير إلى العكس. ففي دراسة تجريبية نُشرت في مجلة "فرونتيرز إن سايكولوجي" بعنوان "الصيام الديني والتنظيم العاطفي"، وجد الباحثون أن الصيام المرتبط بدافع روحي قد يعزز الوعي الذاتي وضبط الانفعالات لدى أشخاص يمارسونه في سياق تعبدي واع.
بمعنى آخر، ليس الصيام ذاته هو المشكلة، بل الظروف المحيطة به: قلة النوم وسوء التغذية عند الإفطار، وانسحاب المنبهات وضغط الوقت. يستخدم علماء النفس أحيانا مصطلح "الجوع الغاضب" لوصف الحالة التي يجتمع فيها انخفاض الطاقة مع التوتر.
وفي رمضان، قد تتكرر هذه الحالة في ساعات ما قبل الإفطار، حيث يتزامن الإرهاق مع ازدحام اليوم واقتراب موعد الطعام. نستنتج أن سرعة الغضب في رمضان ليست ظاهرة غامضة، بل نتيجة تفاعل بين عوامل فسيولوجية وسلوكية واجتماعية.
فرصة لتدريب النفس على ضبط المشاعر
كلها قد تقلل عتبة التحمل. لكن في المقابل، يظل الشهر ذاته فرصة لتدريب النفس على الوعي بالمشاعر وإدارتها. فبينما قد يختبر الجسد حالة إجهاد مؤقت، يبقى البعد الروحي عنصرا قادرا -وفق بعض الدراسات- على تعزيز ضبط النفس بدل إضعافه.
وهنا تكمن المفارقة: الشهر الذي قد يكشف هشاشتنا الانفعالية، يمكن أن يكون في الوقت ذاته مساحة لإعادة تشكيلها.







