في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يخيّم القلق على آفاق النمو والتضخم وحركة رؤوس الأموال. وأكد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا أن عدم الاستقرار ليس جيداً لأي منطقة، مشدداً على أن العامل الحاسم في تقدير حجم التداعيات هو مدى استمرارية هذا التصعيد. وأوضح بانغا أنه لا أحد يستطيع أن يخبركم بذلك في الوقت الحالي.
وجاء حديث بانغا على هامش زيارته إلى أحد المصانع في مدينة العاشر من رمضان، شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة. وذلك رداً على أسئلة حول تأثير التصعيد الحالي واحتمال تعطيل مضيق هرمز على اقتصادات المنطقة. وأشار إلى إمكانية تجاوز أسعار النفط مائة دولار للبرميل، وكيف سينعكس ذلك على النمو العالمي والتضخم وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة. وأوضح أن الإجابة في الحالتين مترابطة، حيث إن استمرار الاضطرابات هو ما يحدد عمق الأثر الاقتصادي.
وأشار بانغا إلى أن مصر، على سبيل المثال، تعاملت خلال السنوات الماضية مع موجات متتالية من عدم اليقين، بدءاً من جائحة كوفيد-19، مروراً بالتقلبات العالمية، وصولاً إلى التحديات المرتبطة بإيرادات قناة السويس. وأضاف أنه ليس من الصعب تخيل حجم التحديات التي يخلقها ذلك للتنمية الاقتصادية في إشارة إلى الضغوط التي تتعرض لها المالية العامة والعملة والتضخم في بيئة عالمية مضطربة.
التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها على الأسواق
وتأتي تصريحات بانغا في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، وما قد يعنيه ذلك لأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط -إن طال أمده- من شأنه أن ينعكس مباشرة على معدلات التضخم عالمياً، مما يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين كبح الأسعار ودعم النمو. كما أن تشديد الأوضاع المالية عالمياً قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة التي تعتمد على التمويل الخارجي والاستثمار الأجنبي.
وبشأن تأثيرات المدى القصير والمتوسط، لمح بانغا إلى أن الأثر قد يكون محدوداً إذا كان عدم الاستقرار قصير الأجل. ولكن استمرار التوترات لفترة أطول سيضاعف الضغوط. وهذه المقاربة تعكس نهجاً حذراً من جانب البنك الدولي الذي يفضّل ربط توقعاته بسيناريوهات زمنية بدلاً من إطلاق تقديرات رقمية في ظل ضبابية المشهد.
وفي الشق المتعلق بمصر، شدد بانغا على أن البنك الدولي يواصل العمل مع الحكومة عبر حزمة واسعة من البرامج، لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى دعم إصلاحات الأعمال والحوكمة. وأوضح أن التعاون يشمل البنية التحتية المادية، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري، بما يتيح خلق فرص عمل مستدامة.
استمرار التعاون مع الحكومة المصرية
وخلال زيارته إلى القاهرة، اطّلع بانغا على مشروع الإسكان الاجتماعي في مدينة العاشر من رمضان، إضافة إلى خطوط تصنيع الحافلات الكهربائية. وأبدى إعجابه بمشروع الإسكان، واصفاً إياه بأنه من بين الأكبر عالمياً من حيث الطموح والحجم. وأشار إلى أن نسبة كبيرة من المستفيدين هم من المشترين للمرة الأولى وتحت سن الأربعين، معتبراً أن من أبرز الدروس المستفادة هي الطموح الحكومي وبناء سوق للرهن العقاري وتعزيز الشمول المالي.
وربط بانغا بين الاستثمار في البنية التحتية -سواء في الإسكان والنقل والطاقة- وبين تعزيز قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود أمام الصدمات الخارجية. وذكر أن تنويع مصادر النمو ودعم قطاعات مثل الزراعة والسياحة والتصنيع يمكن أن يخفف من أثر التقلبات في أسواق الطاقة أو التجارة العالمية.
وفي ختام حديثه، حذر رئيس البنك الدولي من مخاطر عدم الاستقرار، مع تجنب المبالغة في التقديرات في ظل غياب وضوح زمني للأزمة. وبيّن أن بين سيناريو اضطراب عابر وآخر ممتد، تتحدد ملامح 2026 اقتصادياً. وحتى تتضح الصورة، تبقى المرونة والإصلاحات الهيكلية وتعزيز دور القطاع الخاص أدوات أساسية لاحتواء الصدمات.

