سادت حالة من الذعر في أسواق المال العالمية، حيث جادل محللون بأن شركات البرمجيات كخدمة "أس إيه إيه أس" (SaaS) التقليدية أصبحت "خيولا تمشي في عصر المحركات النفاثة". وأشاروا إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ستمكن الشركات من بناء أنظمتها الخاصة بضغطة زر، مما قد يجعل عمالقة مثل "سيلز فورس" و"أوراكل" و"إس إيه بي" مجرد ذكرى من الماضي.
ومع حلول الربع الأول من عام 2026، كشف تقرير استراتيجي صادر عن مصرف "إتش إس بي سي" تحت عنوان "البرمجيات ستلتهم الذكاء الاصطناعي" عن حقيقة مغايرة تماماً. فقد أظهرت البرمجيات المؤسسية أنها لم تصمد فحسب، بل قامت بتأميم الذكاء الاصطناعي ليصبح خادماً داخل أسوارها المنيعة.
يرى المحلل الاستراتيجي في "إتش إس بي سي"، ستيفن بيرسي، أن النماذج اللغوية الكبيرة تمتلك "ذكاء واسعاً لكنه يفتقر للعمق الإداري". وهذا يعني أن بناء نظام محاسبي أو ضريبي لشركة عابرة للقارات لا يتطلب "إبداعاً لغوياً"، بل يتطلب التزاماً صارماً بقوانين معقدة وتحديثات لحظية. وتظهر الأنظمة المؤسسية "ذاكرة مؤسسية" تم بناؤها عبر عقود.
التحديات الأمنية في استخدام الذكاء الاصطناعي
وفقاً لتقرير من "غارتنر"، اعتبر 75% من المديرين التنفيذيين إرسال بيانات الشركة الحساسة إلى نماذج عامة "انتحاراً أمنياً"، حيث فضلوا الحلول المدمجة التي توفرها شركات البرمجيات الموثوقة. هذه المخاوف تعكس التحديات الأمنية التي تواجه اعتماد الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل.
كان الرهان على أن الشركات ستستغني عن الاشتراكات السنوية لتبني برمجياتها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن واقع هذا العام أثبت عكس ذلك. فقد أشار تقرير "فورستر" للأبحاث إلى أن "تكلفة الصيانة" للكود الذي يولده الذكاء الاصطناعي أصبحت عبئاً هائلاً، حيث تفتقر هذه الأكواد إلى الهيكلية المستدامة.
الشركات التي حاولت "البناء الذاتي" وجدت نفسها تنفق 40% أكثر على مهندسي الصيانة والأمن السيبراني مقارنة بتكلفة الاشتراك في برمجيات جاهزة ومطورة. التحول الحقيقي الذي رصده "إتش إس بي سي" هو تحول البرمجيات من "أدوات صماء" إلى "وكلاء تنفيذيين".
البرمجيات كعوامل فعالة في السوق
تشير البيانات إلى أن القيمة اليوم لا تكمن في محرك الذكاء الاصطناعي، بل في سياق البيانات. والبرمجيات هي التي تملك المفاتيح لهذا السياق. بدلاً من أن يذهب المحاسب إلى شات بوت ليسأله عن ميزانية الشركة، قامت شركات البرمجيات بدمج "وكلاء" داخل النظام يقومون بإغلاق الحسابات الشهرية والتنبؤ بالتدفقات النقدية تلقائياً.
هذا التطور جعل الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية ترفع سعر الاشتراك بدلاً من أن تقتله. كما تشير بيانات سوق الأسهم إلى أن المستثمرين أعادوا تقييم شركات البرمجيات بناءً على قدرتها على "تسييل" الذكاء الاصطناعي.
شركات مثل "سيرفيس ناو" و"أدوبي" سجلت أرباحاً قياسية بفضل ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة. ومع توفر النماذج اللغوية كسلعة متاحة للجميع، تبقى "المنصة" هي الحصن الحصين الذي يربط العمليات ببعضها.
الصراع بين البرمجيات والتكنولوجيا الحديثة
يؤكد الخبراء أن الصراع لم يعد صراع برمجيات ضد ذكاء اصطناعي، بل أصبح برمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ضد الفوضى التقنية. فالذكاء الاصطناعي هو المحرك، لكن البرمجيات هي السيارة، ولا يمكن للمحرك أن يوصلك إلى وجهتك دون هيكل ونظام توجيه ومقاعد آمنة.
هذا التحول في كيفية استخدام البرمجيات يظهر أهمية الابتكار في هندسة السياق داخل التطبيقات القائمة فعلياً. الشركات التي تتبنى هذا النهج ستحقق نجاحاً أكبر في عالم الأعمال المتغير.
الذكاء الاصطناعي لم يقتل شركات البرمجيات التقليدية، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجياتها للبقاء والنمو في السوق.







