لم تعد سلاسل الإمداد العالمية شبكة مرنة يمكنها امتصاص الصدمات بسهولة. قال اقتصاديون إن العولمة التي ربطت المصانع والموانئ والأسواق ببعضها البعض جعلت أي اضطراب جيوسياسي في منطقة ما قادرًا على إرباك التجارة الدولية بأكملها. وأضافوا أن الحديث عن أزمة إمداد عالمية محتملة قد تجدد مع الأحداث الأخيرة.
أعاد التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط المخاوف بشأن تعطل حركة التجارة في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم. وأوضح المحللون أن هذا الأمر يثير القلق حول تعطل سلاسل الإمداد والتوريد العالمية على غرار ما حدث في جائحة كورونا، خاصة بعدما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز.
تعتبر أهمية مضيق هرمز كبيرة، حيث لا يقتصر دوره على كونه ممرًا لخمس إمدادات النفط العالمية، بل تمر من خلاله كميات كبيرة من الغاز والمواد البتروكيماوية والأسمدة. وأشار الخبراء إلى أن أي قيود على الحركة فيه تعني احتمال ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، مما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج والشحن.
أبعاد تأثير الأزمة على الشحن والتجارة
تشير تقديرات شركة "كلاركسونز ريسيرش" إلى أن حوالي 3200 سفينة شحن، أي ما يعادل 4% من إجمالي حمولة السفن العالمية، راسية في الخليج العربي. وأوضحوا أن هذا يعني عمليًا خروج جزء من الأسطول العالمي مؤقتًا من الخدمة.
يؤدي هذا التعطل إلى تقليص عدد السفن المتاحة لنقل البضائع عبر المسارات التجارية الأخرى. وكشف الخبراء أن هذا يضغط على طاقة الشحن العالمية ويرفع تكاليف النقل البحري، إلى جانب الضغط على الموانئ العالمية بسبب تكدس البضائع.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تجنب الإبحار عبر الشرق الأوسط واتخاذ طرق بديلة يعني رحلات أطول. حيث تُشير التقديرات إلى أن طريق رأس الرجاء الصالح يضيف من 10 إلى 14 يومًا إلى مدة الرحلة، ويُكلّف حوالي مليون دولار إضافية من الوقود لكل سفينة.
أثر الأزمة على الأسعار والصناعات العالمية
أعلنت شركات الشحن البحري الكبرى بالفعل تجنبها للملاحة في الشرق الأوسط، مع تحويل رحلاتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح. كما أن شركات الطيران تتجنب المنطقة، مما يعني أن الشحن الجوي سترتفع أسعاره أيضًا مع تغيير المسارات.
هذا الاضطراب في حركة الشحن قد يؤخر وصول مكونات أساسية للصناعات، مثل الرقائق الإلكترونية والبطاريات والمواد البتروكيماوية. وأوضح المحللون أن اعتماد الصناعات الحديثة على سلاسل توريد معقدة يجعل أي تأخير بسيط ينعكس على الإنتاج العالمي.
إضافة إلى تأخر وصول السلع النهائية إلى رفوف المتاجر، سترتفع أسعارها بسبب تزايد تكاليف الشحن وأسعار النفط. وأشار الخبراء إلى أن هذا قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم ومن ثم تتجه البنوك المركزية لتشديد السياسة النقدية، مما قد يؤدي إلى إبطاء نمو الاقتصاد العالمي.
توقعات مستقبلية لسلاسل الإمداد والتجارة العالمية
يرى "مايكل جولدمان" المدير العام لشركة "كارو كونتينرز" أن قطاع التصنيع العالمي قادر على التعامل مع الصدمات مقارنة بما كان عليه قبل سنوات. حيث دفعت الأزمات خلال السنوات الماضية القطاع إلى تطوير خطط بديلة للتعامل مع أي اختناقات في سلسلة التوريد.
يبقى المسار المستقبلي للأزمة مرتبطًا بمدة الصراع وتطوره. فإذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، قد يواجه الاقتصاد العالمي موجة جديدة من اختناقات سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف. وأوضح الخبراء أن هذا قد يعيد رسم خريطة التجارة العالمية ويجبر الشركات على إعادة التفكير في سلاسل التوريد التي اعتمدت عليها لعقود.

