عند ذكر الصيام، أول ما يتبادر إلى الذهن هو "شهر رمضان". لكن في الواقع، فإن الصيام يعني "الإمساك". لذلك، توجد أنواع متعددة من الصيام، بعضها يتبع قواعد دينية، بينما قد يُعتبر البعض الآخر جزءاً من نظام صحي أو بروتوكول علاجي.
تذكر الروايات أن السيدة مريم العذراء نذرت صوماً عن الكلام، مما يوضح أن معنى الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فقط. لكن ماذا يقول العلم اليوم عن الصيام الغذائي بأنواعه المختلفة؟ وهل كل أشكال الصيام مفيدة بالقدر نفسه، أم أن هناك ضوابط تعزز فوائده وتقلل مخاطره؟.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن للصيام أثراً إيجابياً محتملاً في تقليل الالتهابات المزمنة، وهو ما يفسر الاهتمام العلمي المتزايد به.
هل أعاني من التهاب مزمن؟
لتعرف الإجابة على هذا السؤال، عليك بداية بالتعرف على تعريف الالتهاب المزمن. فهو ببساطة عملية تُسرّع وصولك للشيخوخة البيولوجية، وهو استجابة من الجهاز المناعي تنطلق مع تكرار تعرض الجسم لعدوى بكتيرية أو فيروسية أو مع تعرض الخلايا لإصابات مثل الكدمات والجروح. وأيضاً كنتيجة لعوامل داخلية مثل السمنة، والتوتر، والأمراض المناعية.
عندما تتعرض الخلايا لضرر ما، تطلق إشارات إنذار. فتتدخل خلايا الدم البيضاء وتفرز مواد تُعرف باسم "السيتوكينات" لمحاربة الالتهاب. المشكلة تظهر عندما يستمر هذا النشاط لفترة طويلة، إذ يؤدي الارتفاع المزمن في سكر الدم وتراكم الدهون الحشوية إلى إبقاء جهاز المناعة في حالة استنفار دائم.
ومع الوقت، يسبب ذلك ضرراً لمكونات الخلايا، خاصة الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، ويؤدي إلى تراكم بروتينات تالفة داخل الخلايا. كما يضعف آلية التنظيف الذاتي الطبيعية المعروفة بـ"الأوتوفاجي".
كيف يصلح الصيام ما أفسده الالتهاب؟
الصيام هو إمساك محدد، في وقت محدد، وبنية محددة. وبفرض أن الصيام جرى بطريقة سليمة كما يشرحها العلماء، بأن يتم خفض السعرات الحرارية المتناولة من قبل الأفراد، فإن الربط بين الصيام وانخفاض الالتهابات مؤكد. ولكن فهم كيف يحدث هذا الأمر هو ما يحاول العلماء الوصول إليه.
أظهرت مراجعة منهجية لأكثر من 80 دراسة على عينات بشرية نشرتها "ذا جورنال أوف نيوتريشن" أن بروتوكولات الصيام المتقطع التي تسمح بنافذة لتناول الطعام لمدة 8 ساعات ثم صيام عن الطعام لمدة 16 ساعة، يمكن أن تعزز حساسية الأنسولين وتحسن ملفات الدهون وضغط الدم. ورغم أن أغلب التجارب قصيرة المدى، إلا أنها تحتاج إلى دراسات أطول لفهم التأثيرات الالتهابية بدقة.
في دراسة كلية كوينز بجامعة كامبريدج، تم التركيز على صيام الوجبة الواحدة في اليوم، حيث قامت مجموعة من 21 متطوعاً بتناول وجبة واحدة تحوي 500 سعر حراري، ثم الانقطاع عن الطعام لمدة 24 ساعة.
صيام الماء
يعتمد صيام الماء على الإمساك التام عن الطعام لمدة تتراوح ما بين 24 ساعة وقد تصل إلى 10 أيام. وفي دراسة نشرت في مجلة "كلينيكال آند ترانسليشنال ميديسن"، قام باحثون بإجراء تجربة أخضعوا فيها 48 بالغاً من الأصحاء لصيام الماء لمدة 5 أيام متتالية، مع متابعة المؤشرات الحيوية والمناعية المهمة.
لاحظ الباحثون انخفاضاً في كل من ضغط الدم، ووزن الجسم، وتغيرات في الخلايا المناعية. كما لوحظ انخفاض مؤشرات الالتهابات عند بعض المشاركين، إلا أنهم لاحظوا أيضاً عودة المؤشرات لحالتها السابقة بعد إعادة التغذية تدريجياً.
أما بالنسبة للصيام الجاف، وهو ما يمارسه المسلمون كجزء من شعائرهم الدينية، فقد أظهرت دراسة تناولت تطورات قياسات المؤشرات الحيوية لـ14 رجلاً وامرأة مصابين خضعوا لصيام جاف خلال الفترة من طلوع الشمس إلى غروبها لمدة 29 يوماً خلال رمضان تغيرات بروتينية في خلايا الدم البيضاء تشير إلى انخفاض إشارات الالتهاب المرتبط بالأوعية الدموية.
تركيز إعلامي ودراسات قليلة
على الرغم من النتائج الأولية الواعدة، إلا أن البحوث في هذا المجال ما زالت محدودة وتحتاج إلى المزيد من التجارب على عينات أكبر. الدكتور مارك ماتسون، رئيس مختبر علوم الأعصاب في المعهد الوطني للشيخوخة، يرى أن الصيام قد يفعل مسارات مقاومة الإجهاد الخلوي ويخفّض بعض المؤشرات الالتهابية.
لكن يشدد على أن معظم الأدلة المتعلقة بنظام التنظيف "الأوتوفاجي" وتأثيره الوقائي جاءت من نماذج حيوانية أو دراسات قصيرة الأمد على بشر أصحاء. أما الدكتور فالتر لونغو، فيربط فوائد الصيام بما يسميه "الصيام العلاجي المنظم"، الذي يتم تحت إشراف طبيب وكجزء من بروتوكول علاجي.
يتفق الجميع على وجود إشارات بيولوجية واعدة حول الصيام، ولكننا نحتاج إلى المزيد من البحوث لتضمين الصيام كجزء من التوصيات الصحية العامة.







