أعادت الحرب في إيران رسم خريطة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية. وقالت تقارير إن الأنظار تتجه سريعاً إلى مضيق هرمز بوصفه أخطر نقطة ضغط في اقتصاد الطاقة العالمي. وأوضحت أن هذا الممر البحري الضيق، الذي تعبره كميات هائلة من النفط والغاز يومياً، تحول إلى شريان استراتيجي بالغ الحساسية يعتمد عليه توازن الأسواق واستقرار الاقتصاد العالمي.
وأضافت دراسة أعدتها "الشرق" أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز يُعتبر "نقطة الاختناق الحيوية" الأهم لتدفقات الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط الخام يومياً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وأشارت إلى أنه رغم عدم إعلان الحرس الثوري الإيراني رسمياً فرض حصار، إلا أن الاستهداف المنهجي لحركة الشحن التجاري أدى إلى تراجع حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة 70% خلال 24 ساعة فقط من اندلاع الصراع في 28 فبراير.
وتصاعدت الأزمة البحرية بسرعة، حيث أظهرت الطائرات الإيرانية بدون طيار وبطاريات الصواريخ المضادة للسفن استعدادها لاستهداف الناقلات المدنية. وفي 1 مارس، تعرضت ناقلة النفط "سكايلات" لضربة شمال ولاية خصب بسلطنة عمان، مما أسفر عن سقوط اثنين من أفراد الطاقم. وأعقب ذلك هجوم على سفينة "MKD VYOM" بواسطة قارب مسيّر، مما أدى إلى اشتعال حريق هائل في غرفة محرك السفينة.
تأثيرات الإغلاق على حركة الشحن والتأمين
في 2 مارس، تعرضت السفينة "ستينا إمبيراتيف" التي ترفع العلم الأميركي لضربتين في ميناء البحرين، بينما تم تحييد السفينة "أثي نوفا" بواسطة طائرات بدون طيار بعد محاولتها عبور المضيق بشكل غير قانوني. وأوضحت التقارير أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز لم يكن نتيجة القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً نتيجة انسحاب شركات التأمين العالمية من تغطية المخاطر في المنطقة.
وقالت إن كبرى شركات التأمين البحري، بما في ذلك "Gard" و"Skuld" و"I&P"، ألغت تغطية مخاطر الحرب للسفن العابرة في الخليج والمياه المجاورة، مما حول المضيق فعلياً إلى "منطقة اقتصادية محظورة". وأدى ذلك إلى توقف ملاك السفن عن عملياتهم، تاركين ما لا يقل عن 150 ناقلة راسية في المياه الدولية خارج المضيق.
انعكست التكلفة الاقتصادية لهذا "الحظر" البحري على معدلات ناقلات النفط الخام الكبيرة جداً (VLCCs)، حيث وصلت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، مما يمثل تكلفة إضافية لكل رحلة. وكان لهذا التأثير أثر متسلسل على سلاسل التوريد العالمية، إذ امتد تأثيره ليشمل قطاعات حيوية متعددة.
استجابة الأسواق لتصعيد الأوضاع
استجابت أسواق الطاقة العالمية لاندلاع الحرب بإعادة تسعير تصاعدية عنيفة، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة تراوحت بين 10% و13% في أول يوم تداول بعد الضربات، كما تجاوزت الأسعار الدولية لخام برنت زيادة قدرها 28% خلال أسبوع واحد فقط. وأظهرت حركة الأسعار الملحوظة بين 28 فبراير و7 مارس حساسية السوق الشديدة لفترة الصراع.
وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط، فإن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أدى إلى خلق عجز عالمي في الإمدادات يبلغ نحو 20 مليون برميل يومياً، مما دفع الأسواق إلى ترجيح احتمال حدوث ارتفاع كبير في أسعار النفط إلى تجاوز حاجز الـ100 دولار. وأشارت البيانات إلى أن التأثير على الغاز الطبيعي كان شديداً بشكل خاص في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
وفي أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة على مجمع رأس لفان في قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، أوقفت شركة "قطر للطاقة" الإنتاج وأعلنت حالة القوة القاهرة، مما أدى إلى اختفاء حوالي 7 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال من السوق العالمية.
أزمة التخزين وتأثيرها على الإنتاج
مع إغلاق الممر البحري، واجهت سلسلة توريد الطاقة في الشرق الأوسط تأثيراً كارثياً يتمثل في "التكدس". ومع عدم قدرة الناقلات على مغادرة الخليج العربي، امتلأت صهاريج التخزين الإقليمية، مما أجبر المنتجين على البدء في إغلاق الحقول النشطة. وأدى نقص سعة التخزين في العراق إلى إغلاق العمليات في حقل الرميلة النفطي.
ورغم أن السعودية تمتلك أقوى بنية تحتية للتخزين، إلا أن هجمات الطائرات بدون طيار على حقل الشيبة والإغلاق المؤقت لمصفاة رأس تنورة سلطت الضوء على ضعف المنشآت. واستجابت السعودية بإعادة توجيه ملايين البراميل عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ومع ذلك، لا تزال السعة التحويلية لدول مجلس التعاون الخليجي غير كافية لتغطية العجز الناتج عن إغلاق مضيق هرمز. ويعني ذلك أن حوالي 8.7 مليون برميل من الخام تظل معرضة لخطر التعطيل التام.

