كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، أن وكالة الطاقة الدولية تدرس تنفيذ أكبر عملية إطلاق لاحتياطيات النفط في تاريخها. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود تهدف إلى تهدئة الأسواق التي تعصف بها تداعيات الصراع الراهن. وتجاوز الكمية المقترحة نحو 182 مليون برميل، وهي الكمية التي طُرحت إبان الأزمة الأوكرانية، مما يعكس حجم القلق الدولي من القفزات السعرية الحالية.
وعلى الرغم من أن وزراء طاقة مجموعة السبع لم يتفقوا فوراً على تنفيذ هذه الخطة، مطالبين الوكالة بتقييم أعمق للوضع، فإن مجرد تسريب أنباء هذه الخطة أدى إلى تراجع مؤقت في أسعار العقود الآجلة لخامَي برنت وتكساس. وتهدف هذه الخطوة من البيت الأبيض لتصوير الحرب وكأنها "انتهت" بهدف تهدئة روع المتداولين.
تتزايد التساؤلات حول مدى فاعلية هذا السلاح الاستراتيجي في مواجهة الحقائق الجيوسياسية، فهل يمكن للبراميل المخزنة أن تعوّض شريان النفط العالمي في مضيق هرمز؟ وهل يمتلك الغرب القدرة على مواجهة انسداد ملاحي قد يمتد لأسابيع أو أشهر؟
ترسانة الطوارئ: هل تكفي لمواجهة التاريخ؟
الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعددها 32 دولة، تمتلك مجتمعة ما لا يقل عن 1.2 مليار برميل من النفط في مخزونات الطوارئ العامة. وتساعد الوكالة، ومقرها في باريس، في تنفيذ تدخلات من هذا النوع في أوقات الأزمات، مثل حرب الخليج الأولى عام 1991، وإعصارَي "ريتا" و"كاترينا" في 2005، وأثناء الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011، ومرتين في 2022 استجابةً للاضطرابات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.
تمتلك الولايات المتحدة أكبر مخزون احتياطي من النفط، حيث توجد في أربعة مواقع آمنة على طول ساحل خليج المكسيك. هذه الكهوف تحت الأرض قادرة على استيعاب أكثر من 700 مليون برميل من النفط، لكن تحتوي حالياً على نحو 415 مليون برميل، مما يعني أنها ممتلئة بنسبة 60% فقط. وقد تم استنزاف هذه الاحتياطيات في سحب قياسي خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن.
في المقابل، تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، حيث كوّنت في السنوات الأخيرة ما يبدو أنها قدرة احتياطية أكبر، وتمتلك نحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام في مخزونها الاستراتيجي.
انقسام دولي: هل السحب ضرورة أم مغامرة؟
على الصعيد الدبلوماسي، لم يكن المسار نحو تفعيل هذه الخطة سهلاً، فقد أخفق وزراء طاقة مجموعة السبع في الاتفاق فوراً على الإفراج عن الاحتياطيات، مما تطلب إجراء تقييم شامل للموقف. وقد برز الموقف الفرنسي كأحد أبرز المعوقات، حيث أكد وزير المالية الفرنسي أنه لم يتم الوصول بعد إلى النقطة التي تستدعي سحب المخزونات.
سبق هذا الاجتماع اجتماع آخر لوزراء مالية المجموعة، الذين أكدوا استعدادهم للسحب من احتياطيات النفط الاستراتيجية ولكنهم لم يتخذوا قراراً نهائياً بعد. وقد أبدى الرئيس الأمريكي تردداً في الإفراج عن النفط من الاحتياطي، مشيراً إلى أن الأسعار المرتفعة للطاقة تعتبر مؤقتة.
أما بالنسبة للدول الأخرى، فقد وجهت اليابان قواعد تخزين النفط لبدء استعدادات السحب من المخزون، مما يشير إلى أن البلاد قد تمضي قدماً بشكل مستقل، بينما أكدت الهند أنها لا تخطط للسحب من مخزونها الاحتياطي.
هل تحل الأزمة بالاحتياطيات؟
يرى موقع "يورو إنتليجنس" أن التحديات الحقيقية تكمن في خامَي برنت وغرب تكساس. حيث تعتبر المشكلة الأساسية هي مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي للنفط الخام المنقول بحراً. ويؤكد التحليل أن أي محاولة للتدخل عبر الاحتياطيات الاستراتيجية ستواجه حجم الكارثة، إذ إن المخزونات لن تكفي سوى لـ120 يوماً فقط في حال فقد شريان الإمدادات.
تزداد تعقيدات الصورة عند النظر إلى طبيعة إدارة الاحتياطيات بين الدول. في حين تسيطر الحكومة الفرنسية تماماً على مخزوناتها، تعتمد بريطانيا على القطاع الصناعي في هذا المجال، مما يجعل سحب الاحتياطيات أمراً غير واقعي.
علاوة على ذلك، يبرز تحدي "إعادة الملء"، إذ إن أي كمية تُسحب اليوم ستتطلب من الغرب شراءها لاحقاً، مما سيخلق ضغطاً شرائياً هائلاً في الأسواق.
معضلة اللوجيستيات
مع تصاعد النقاشات حول جدوى هذه الخطوة، تبرز معضلة "العامل الزمني" كقيود فيزيائية؛ فعملية الإفراج عن الاحتياطيات ليست مجرد قرار سياسي، بل هي عملية لوجستية معقدة تتطلب وقتاً يتراوح ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. تحتاج المنشآت إلى وقت لتجهيز الضخ، ثم يأتي النقل عبر خطوط الأنابيب إلى الموانئ.
تشير البيانات إلى أن القدرة القصوى للسحب من احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي تبلغ نحو 4.4 مليون برميل يومياً، ويستغرق وصول النفط من مواقع التخزين إلى السوق المفتوحة نحو 13 يوماً بعد صدور القرار. وقد أشار بعض المسؤولين إلى أن السحب الذي بدأه بايدن قد أضر بالمنشآت، وما زالت أعمال الإصلاح جارية.
هذا الفارق الزمني يعني أن الأسواق ستظل تحت رحمة التقلبات الفورية لعدة أسابيع، مما يجعل سلاح الاحتياطيات أداة "ردع نفسي" أكثر من كونه حلاً تقنياً للحرائق السعرية المشتعلة.
ثلاثة قيود تحكم السعر
استعرض موقع "أويل برايس" ثلاثة قيود تجعل من الصعب السيطرة على الأسعار عبر القرارات المكتبية فقط، أولها تآكل "القدرة الفائضة" التي لا يمكنها تعويض سوى جزء بسيط من التدفقات المفقودة. ثانيها، "مرونة الطلب"، حيث اقتربت الأسعار من مستوى 120 دولاراً، مما يضطر الشركات والمستهلكين إلى تقليص نشاطهم. وأخيراً، تراجع حجم الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى 415 مليون برميل، مما يقلص من قدرة واشنطن على المناورة.
ويختتم المحللون بتوقع سيناريوهات قاتمة في حال فشل الحلول الدبلوماسية، حيث قد تتجاوز الأسعار 140 دولاراً للبرميل، مما سيؤدي إلى تدافع عالمي للحصول على البراميل. وتبدو خطة وكالة الطاقة الدولية وكأنها محاولة لشراء الوقت في مواجهة أزمة تتجاوز قدرة الدول على الاحتواء.







