في الوقت الذي دفعت فيه الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وكالة الطاقة الدولية إلى أكبر سحب منسق للمخزونات النفطية في تاريخها، بدأ يتضح أن ضخ 400 مليون برميل قد يهدئ الذعر في السوق. لكنه لا يكفي وحده لعلاج أصل الأزمة.
فالسوق لا تواجه فقط ارتفاعا في الأسعار، بل اضطرابا حادا في الإمدادات وحركة الشحن عبر مضيق هرمز. مع تهديد جديد برفع المخاطر بعد تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باستهداف البنية التحتية النفطية في جزيرة خارك الإيرانية إذا استمر تعطيل الملاحة.
تعويض عاجل
وكالة الطاقة الدولية قالت إن دولها الأعضاء الـ32 وافقت في 11 مارس على إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة للسوق، في سادس تحرك جماعي من هذا النوع منذ تأسيس الوكالة. بعدما هبطت صادرات الخام والمنتجات عبر مضيق هرمز إلى أقل من 10% من مستويات ما قبل الحرب.
وأضافت الوكالة أن أعضاءها يملكون 1.25 مليار برميل من المخزونات الحكومية، إلى جانب 600 مليون برميل من مخزونات الصناعة الخاضعة لالتزامات حكومية، أي أكثر من 1.8 مليار برميل قبل قرار السحب.
وبذلك لا يعكس القرار نقصا عالميا في النفط المخزن بقدر ما يعكس محاولة عاجلة لتعويض خلل التدفقات اليومية. فالسحب الجديد يستهلك نحو 22% من المظلة الطارئة المتاحة داخل وكالة الطاقة الدولية.
4 أيام فقط
يبدو الرقم ضخما، لكنه ينكمش بسرعة حين يوضع في مواجهة الطلب العالمي. فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تقدر استهلاك العالم من النفط والسوائل الأخرى عند 105.17 ملايين برميل يوميا. وعلى هذا الأساس، فإن 400 مليون برميل تكفي نظريا نحو أربعة أيام فقط من الاستهلاك العالمي.
وحتى إذا قورنت الكمية بحجم العبور الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو نحو 20 مليون برميل يوميا، فهي تعادل فقط 20 يوما من التدفقات المعتادة عبره.
هنا تحديدا تأتي أهمية تشبيه الخبير في إستراتيجيات الطاقة نايف الدندني، في حديث للجزيرة نت، بأن استخدام المخزونات الإستراتيجية يبدو "ضمادة صغيرة لجرح كبير".
علاوة الحرب
الخبير النفطي الدكتور نبيل المرسومي يذهب في الاتجاه نفسه، لكنه يفسر القفزة السعرية من زاوية أخرى. ويقول إن إغلاق مضيق هرمز أضاف نحو 40 دولارا علاوة مخاطر جيوسياسية فوق السعر الذي كانت تفرضه أساسيات السوق قبل الحرب.
ومن هذه الزاوية، يصبح سحب المخزونات أداة لاحتواء هذه العلاوة مؤقتا، لا لتغيير المعادلة الأساسية. فالأسعار فوق 100 دولار ليست مريحة للدول المستهلكة.
يكتسب هذا التوصيف وزنا أكبر إذا أخذنا في الاعتبار أن أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة لا تظهر حتى الآن هبوطا سنويا واضحا في الطلب العالمي بسبب الحرب، بل تبقيه قرب 105.17 ملايين برميل يوميا.
جزيرة خارك
المستجد الأخطر في هذا المشهد هو انتقال التهديد من الملاحة إلى البنية التحتية نفسها. فقد قال ترمب إن القوات الأمريكية دمرت أهدافا عسكرية في جزيرة خارك الإيرانية، لكنه حذر من أنه قد يعيد النظر في قرار استثناء منشآتها النفطية إذا واصلت إيران تعطيل مرور السفن عبر هرمز.
وتقول وكالة أسوشيتد برس إن الضربات أصابت مواقع عسكرية وتركَت المنشآت النفطية من دون أضرار حتى الآن. بينما كررت طهران تهديدها باستهداف منشآت النفط والطاقة المرتبطة بأمريكا في المنطقة إذا تعرضت بنيتها النفطية لضربات مباشرة.
تأتي أهمية هذا التطور من أن جزيرة خارك ليست موقعا عسكريا عاديا، بل هي عقدة حيوية في شبكة صادرات النفط الإيرانية.
هامش محدود
حتى في السيناريو الأقل سوءا، أي بقاء الخطر عند مستوى اضطراب الملاحة من دون استهداف واسع للبنية التحتية، تظل قدرة السحب محدودة زمنيا ولوجستيا.
وتوضح وزارة الطاقة الأمريكية أن الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي كان يضم 416 مليون برميل، وأن القدرة الاسمية القصوى للسحب تبلغ 4.4 ملايين برميل يوميا.
لهذا يرى الدندني أن أثر القرار سيكون مؤقتا ومحدودا، بينما يحذر المرسومي من أن بقاء هرمز معطلا قد يدفع الأسعار بسهولة إلى مستويات أعلى.







