تكشف الرخصة الأمريكية الأخيرة الخاصة بالنفط الروسي عن لحظة انكشاف نادرة في بنية القرار الغربي. قال مراقبون إن واشنطن لم تتمسك بمنطق العقوبات إلى نهايته، بل فتحت ممرًا مؤقتًا لعبور شحنات روسية كانت تُقدَّم بوصفها جزءًا من آلة الحرب التي يجب خنقها.
وأضافت تقارير أن هذا التحول لم يأت نتيجة مراجعة سياسية أو أخلاقية للعقوبات، بل فرضته ضرورات السوق ومخاوف عودة التضخم وتشدد اختناقات الطاقة. وأوضحت الوثائق الأمريكية أن القرار يسمح ببيع وتسليم النفط الروسي المحمّل على السفن قبل تاريخ 12 مارس حتى 11 أبريل.
موضحة أن واشنطن فضّلت امتصاص صدمة السوق على التشدد الكامل في العقوبات. وتبرز هنا مفارقة قاسية؛ فقد اضطرت الدولة التي تقود الحصار الاقتصادي على موسكو، في لحظة خوف من انفلات الأسعار، إلى الاعتراف بأن السوق لا تزال تحتاج براميل روسيا.
تحولات في السياسة الأمريكية تجاه النفط الروسي
وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية الترخيص العام رقم 134، مما سمح بالمعاملات اللازمة عادة لبيع وتسليم أو تفريغ النفط الخام الروسي المحمّل على السفن. ولم يفتح النص باب صادرات روسية جديدة، بل منع تجميد شحنات قائمة بالفعل.
وأوضحت رويترز أن وزير الخزانة سكوت بيسنت قدّم الخطوة باعتبارها إجراء يهدف إلى استقرار أسواق الطاقة العالمية. بينما نقلت عن السفير الروسي في واشنطن أن القرار قد يشمل نحو 100 مليون برميل من النفط.
وبذلك لم يعد السؤال ما إذا كانت أمريكا تؤمن بالعقوبات، بل ما إذا كانت قادرة على تطبيقها عندما تصبح كلفتها الاقتصادية أعلى من مردودها الجيوسياسي.
تأثير السوق على القرارات السياسية
كما أظهرت قراءة قانونية لشركة "بيكر ماكنزي" أن توسيع نطاق الترخيص يرسل إشارة للسوق بأن البيت الأبيض لن يسمح بسحب مزيد من البراميل الروسية دفعة واحدة في ذروة التوتر. وتكشف هذه الإشارة أن منظومة العقوبات أصبحت خاضعة لحدود العرض والطلب.
وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت نحو 20 مليون برميل يوميًا. كما قالت وكالة الطاقة الدولية إن الكمية نفسها عبرت المضيق في السنوات الأخيرة، مما يعني أن أي تعطّل طويل الأمد في المضيق قد يفتح فجوة يصعب سدها بسرعة.
عندما رفعت "باركليز" توقعاتها لسعر خام برنت، افترضت عودة التدفقات في غضون أسبوعين إلى ثلاثة، لكنها حذرت من أن استمرار التعطل قد يدفع السعر إلى 100 دولار. وقد أغلقت عقود برنت عند 103.14 دولارات رغم محاولة واشنطن تهدئة السوق عبر الترخيص الروسي.
القلق من تأثير العقوبات على الاقتصاد العالمي
اختارت واشنطن خيار "أهون الشرّين"، حيث تدرك أن السماح بمرور النفط الروسي يمنح موسكو إيرادات إضافية، لكنها تدرك أيضًا أن حجبه قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة تضخمية جديدة. وقد نقلت رويترز عن "غولدمان ساكس" أن ارتفاع النفط إلى 100 دولار قد يرفع التضخم العالمي الأساسي.
ويكشف ذلك أن البيت الأبيض لم يكن يدير أزمة خارجية فحسب، بل كان يدير أيضًا خوفًا داخليًا من عودة الطاقة إلى قلب السياسة النقدية. كما أن الإعفاء الأمريكي لا يستهدف فقط حماية المستهلك الأمريكي، بل يهدف أيضًا إلى منع انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصادات الناشئة.
ومع ذلك، يكشف القرار تناقضًا واضحًا. إذ تستخدم واشنطن النفط الروسي مرة أخرى لاحتواء أزمة ساهمت عقوباتها نفسها في تعقيد شروطها.

