تتأهب الأسواق العالمية لقرار الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء المقبل، في اجتماع يوصف بأنه من بين الأكثر ترقباً منذ سنوات. وفي ظل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، التي اندلعت في وقت سابق، وما نتج عنها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، يجد صانعو السياسة النقدية أنفسهم أمام واقع جديد أربك الحسابات السابقة كافة. ومن المتوقع بنسبة تقارب اليقين 99 في المئة أن يبقي البنك المركزي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.5 في المئة إلى 3.75 في المئة. وهي المرة الثانية التي يثبت فيها الفائدة بعد 3 عمليات خفض متتالية.
هذا التجميد الاضطراري ليس مجرد استراحة تقنية، بل هو انعكاس لمأزق اقتصادي عميق يعرف بصدمة العرض، حيث تؤدي الحرب إلى رفع التضخم عبر أسعار الطاقة، وفي الوقت ذاته كبح الإنتاج والنمو، مما يجعل أدوات الفيدرالي التقليدية في حالة شلل مؤقت.
بين ضغوط الأسعار واهتزاز سوق العمل
يعيش الاحتياطي الفيدرالي حاليا حالة من الحصار بين فكَي التفويض المزدوج: الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان أقصى قدر من التوظيف. وبعد أن تراجع التضخم من ذروته البالغة 9.1 في المئة إبان الجائحة، تسببت الحرب في قفزة مفاجئة لأسعار خام برنت لتلامس 120 دولارا للبرميل، مما يهدد برفع التضخم مجددا. بينما سجل التضخم السنوي 2.4 في المئة في بيانات فبراير، فإن الأسواق تترقب انعكاس صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في بيانات مارس، مع تحذيرات من أن تؤدي ضغوط أسعار الوقود إلى دفع التضخم مجددا نحو مستويات تتجاوز مستهدف الفيدرالي البالغ 2 في المئة.
وفي المقابل، أظهرت بيانات فبراير صدمة في سوق العمل، حيث فقد الاقتصاد الأميركي، بشكل غير متوقع، 92 ألف وظيفة في فبراير، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المئة. وما يزيد المشهد تعقيدا هو أن البطالة لم ترتفع بشكل حاد حتى الآن فقط بسبب نقص العرض الناتج عن حملة ترمب ضد الهجرة، وليس لقوة الطلب؛ إذ إن معدل التوظيف الفعلي وصل لأدنى مستوياته منذ عقد، مع بدء الشركات في تجميد التوظيف نتيجة ضريبة اليقين التي تفرضها الحرب.
ضغوط البيت الأبيض
لا تقتصر الضغوط التي يواجهها جيروم باول على تعقيدات سوق العمل أو قفزات التضخم الناتجة عن الحرب، بل وصلت إلى ذروتها مع اندلاع مواجهة علنية وحادة مع البيت الأبيض. فقد جدّد الرئيس ترمب ضغوطه العنيفة هذا الأسبوع، مطالباً الاحتياطي الفيدرالي بخفض حار وحاد لأسعار الفائدة، وهو ما يقابل بمقاومة شرسة من قبل مسؤولي البنك المركزي الذين يخشون أن يؤدي التسرع في التيسير النقدي، وسط اشتعال أسعار الطاقة، إلى صب الزيت على نيران التضخم وخروجها عن السيطرة.
وفي تدوينة نارية على منصته، شن ترمب هجوماً شخصياً لاذعاً على باول، متسائلاً بسخرية: "أين رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم المتأخر دائماً باول، اليوم؟". مضيفاً بلهجة حازمة: "يجب عليه خفض أسعار الفائدة فوراً، وليس الانتظار حتى الاجتماع المقبل!".
هذا الهجوم لا يمثل مجرد انتقاد عابر، بل يعكس توتراً بنيوياً يهدد استقلالية الفيدرالي، خصوصاً مع اقتراب نهاية ولاية باول، وتلويح وزارة العدل بملاحقات قانونية ضده. مما يجعل الأسواق في حالة ترقب شديد لكيفية صمود البنك المركزي أمام هذه الإرادة السياسية التي تريد خفض التكاليف بأي ثمن.
تحول القيادة المرتقب
وسط هذه العواصف السياسية والاقتصادية، تتجه أنظار وول ستريت والعواصم المالية العالمية نحو كيفن وورش، البديل الذي اختاره ترمب لخلافة باول بعد انتهاء ولايته. ويُعرف وورش بميوله الحمائمية وانتقاده العلني لسياسة التشدُّد النقدي، حيث دعا في تصريحاته الأخيرة إلى ضرورة البدء فوراً في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي المتعثر.
ويمثل صعود وورش المحتمل نقطة تحول جوهرية في فلسفة الاحتياطي الفيدرالي؛ فبينما يصر الفريق الحالي بقيادة باول على الحذر والانتظار حتى التأكد من كبح جماح التضخم، يُنظر إلى وورش بوصفه قائداً لمرحلة جديدة من التيسير النقدي السريع، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المقترضين وتحفيز الاستثمار في ظل تراجع أرقام الوظائف الأميركية.
ومع ذلك، فإن طريقه نحو المنصب يواجه عقبة سياسية كؤود؛ إذ يقود السيناتور الجمهوري النافذ توم تيليس حراكاً داخل مجلس الشيوخ لعرقلة هذا التعيين. ولا ينطلق اعتراض تيليس من تحفظات تقنية فحسب، بل يأتي احتجاجاً صارخاً على ما وصفه بتسييس وزارة العدل في ملاحقتها باول، عادّاً أن المساس باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي في هذا التوقيت الحرج يمثل خطراً على الثقة في النظام المالي الأميركي بأكمله.

