تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سبعة من أهم البنوك المركزية في العالم، التي تجتمع في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد. وبينما كان العالم يترقب دورة خفض الفائدة، جاءت صدمة الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز لتعيد صياغة المشهد؛ حيث قفز خام برنت فوق 120 دولاراً. ما وضع البنوك المركزية بين فكَّي كماشة: التضخم الطاقي المتسارع، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي خطوة تضع الأسواق في حالة ترقب، يترقب المحللون اجتماع الاحتياطي الأسترالي يوم الثلاثاء. وسط توقعات بأن يواصل البنك نهجه المتشدد برفع الفائدة مجدداً، استكمالاً للزيادة التي أقرها في فبراير. وأكد المحللون أن هذا التحرك، إذا تحقق، سيثبت أن البنك الأسترالي عازم على كبح تضخم الطاقة بأي ثمن، مما يجعله في مقدمة البنوك المركزية التي ترفض الاستسلام لضغوط الركود مقابل أولوية استقرار الأسعار.
معضلة تضخم الوقود
تعتبر البنوك المركزية أن صدمة النفط الحالية هي صدمة عرض خارجة عن سيطرتها، ولكنها لا تملك رفاهية تجاهلها. تاريخياً، كل زيادة بنسبة 5 في المائة في أسعار النفط تضيف 0.1 نقطة مئوية للتضخم. ومع قفزة الأسعار بنسبة 50-60 في المائة منذ مطلع العام، يتوقع المحللون أن تضيف هذه الأزمة وحدها 1 في المائة كاملة إلى معدلات التضخم العالمية. مما ينسف جهود البنوك المركزية التي بذلتها في العامين الماضيين.
وفي تحول لافت للأنظار، يترقب المحللون اجتماع الاحتياطي الأسترالي الثلاثاء. وسط توقعات قوية بأن يقوم برفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بعدما كان رفعها أيضاً بواقع 25 نقطة أساس في فبراير. هذا التحرك المتوقع لا يعكس فقط حالة الاقتصاد المحلي، بل يرسل إشارة قوية حول مدى خطورة صدمة الطاقة الحالية.
ويرى المحللون أن هذا التحرك الاستباقي يهدف إلى حماية الاقتصاد من قفزة تكاليف النقل والوقود، قبل أن تتجذر في توقعات التضخم المحلية. أما يوم الأربعاء، فتنتقل الأنظار إلى الاحتياطي الفيدرالي وبنك كندا. بعد أن كانت الأسواق تراهن على خفض الفائدة الأميركية في يونيو، تشير التوقعات الآن إلى أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول سيتبنى لهجة حذرة للغاية.
ماراثون الثلاثاء والأربعاء
وقد أرجأت التوقعات الحالية أول خفض للفائدة إلى سبتمبر أو ديسمبر، مع مراقبة دقيقة لأسعار البنزين التي بدأت تؤثر بالفعل على ثقة المستهلك الأميركي. يتبنى بنك كندا بقيادة المحافظ تيف ماكلم نهجاً أكثر هدوءاً؛ حيث تشير التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة عند 2.25 في المئة في اجتماع الأربعاء.
وتمكن بنك كندا من القيام بأربع عمليات خفض للفائدة خلال عام ليصل بالفائدة إلى مستوى يُعتبر متوازناً، أي أنه لا يحفز التضخم ولا يخنق النمو بشكل مفرط. ويركز البنك حالياً على مراقبة الآثار غير المباشرة؛ فبينما يستفيد قطاع الطاقة، تتضرر القوة الشرائية للأسر الكندية بسبب ارتفاع أسعار البنزين والتدفئة.
يتوقع المحللون أن يتسم بيان بنك كندا بالحذر الشديد، حيث سيقر البنك بأن المخاطر الجيوسياسية رفعت توقعات التضخم، ويؤكد أن نمو الاقتصاد لا يزال هشاً ولا يتحمل العودة لرفع الفائدة في الوقت الحالي.
الخميس الكبير
يشهد يوم الخميس ذروة النشاط النقدي بصدور قرارات 4 بنوك مركزية كبرى. البنك المركزي الأوروبي يراقب المسؤولون بقلق عوائد السندات الألمانية التي سجلت مستويات قياسية. وقد تحوّلت التوقعات من متى نخفض الفائدة؟ إلى هل نحتاج لرفعها مجدداً لمواجهة تكاليف الطاقة المستوردة.
بنك إنجلترا تراجعت فرص خفض الفائدة الفوري مع ارتفاع أسعار الديزل التي بدأت تضغط على قطاعَي الزراعة والتجزئة البريطانيين. بنك اليابان يواجه تحدي ضعف الين مقابل ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، حيث تشير التوقعات لتثبيت الفائدة عند 0.75 في المئة.
كما تشير التوقعات إلى أن البنك الوطني السويسري سيستفيد من قوة الفرنك في امتصاص جزء من التضخم العالمي، مما يرجح كفة تثبيت الفائدة عند مستوى 0 في المئة في الوقت الراهن.
ما وراء أسعار الفائدة
تجمع هذه البنوك السبعة مخاوف مشتركة تتجاوز مجرد أرقام الفائدة؛ فصدمة النفط الحالية لا ترفع أسعار الوقود فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي. ارتفاع تكاليف الأسمدة والديزل للمزارعين يهدد برفع أسعار الغذاء عالمياً في النصف الثاني من العام.
كما أن زيادة تكاليف الشحن الجوي والبحري تضع ضغوطاً إضافية على الشركات، مما قد يقلص الاستثمارات المؤسسية. بالإضافة إلى تآكل الدخل المتاح للاستهلاك لصالح فواتير الطاقة، مما يزيد من احتمالات التباطؤ الاقتصادي.
لن تراقب الأسواق هذا الأسبوع أرقام الفائدة فقط، بل ستدقق في النبرة. فهل ستعترف البنوك المركزية بعجزها عن مواجهة صدمة العرض؟ أم ستضحي بالنمو وتستمر في سياسة الفائدة المرتفعة لكسر موجة التضخم الجديدة؟ الأيام القادمة ستحدد ما إذا كنا بصدد هبوط ناعم للاقتصاد العالمي أم ارتطام عنيف نتيجة تعطل مضيق هرمز.

