لم تعد تداعيات الحرب الايرانية تقتصر على اسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتضرب عصب التجارة العالمية وسلاسل الامداد. ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يتجاوز كونه صراعا اقليميا، ليصبح التهديد الاكثر خطورة واستدامة لحركة الشحن الدولية منذ ازمة جائحة كوفيد - 19، وفقا لخبراء ومحللين. بينما ترتفع اسعار النفط، تبرز ازمة اخرى صامتة تهدد برفع اسعار كل شيء.
تشير البيانات الصادرة عن دوري وام دي اس ترانسمودال الى واقع قاتم، حيث ارتفع مؤشر اسعار شحن الحاويات العالمي بنسبة 8 في المائة خلال اسبوع واحد، وبإجمالي 12 في المائة منذ اندلاع الصراع.
في الصين، سجل مؤشر شنغهاي للشحن قفزات تاريخية، حيث ارتفعت تكلفة المسار بين شنغهاي والمواني الشرق اوسطية بنسبة تتجاوز 70 في المائة. بينما ارتفعت تكلفة الشحن الى مواني سانتوس في البرازيل بنسبة 60 في المائة نتيجة اعادة تخصيص السفن لمسارات اوروبا الطارئة.
لم يتوقف الامر عند رسوم الحاويات، بل طال وقود السفن الذي يشكل 40 في المائة من تكاليف التشغيل. حيث قفز سعره في ميناء روتردام من 724 دولارا للمتر المكلف الى 1072 دولارا في غضون ايام، بزيادة تقارب 50 في المائة.
اتسع نطاق التهديد الميداني بشكل غير متوقع، فبعد ان كان التركيز منصبا على مضيق هرمز الذي يحتجز حاليا نحو 400 ناقلة نفط و130 سفينة حاويات، تعرض ميناء صلالة في سلطنة عمان لهجوم استهدف صهاريج الوقود، ومتسببا باهتزاز الثقة في قطاع الملاحة.
على وقع تصريحات المسؤولين الايرانيين بابقاء المضيق مغلقا، سجلت التقارير استهداف او تضرر ما لا يقل عن 19 سفينة تجارية في الخليج منذ بدء النزاع. كانت احداها سفينة تابعة لشركة هاباغ لوييد تعرضت لحريق بسيط قرب ميناء جبل علي.
وقد اجبرت المخاطر الامنية عمالقة الشحن مثل ميرسك وهاباغ لوييد على تعليق مساراتها عبر قناة السويس والبحر الاحمر، واللجوء الى الطريق الاطول حول راس الرجاء الصالح بجنوب افريقيا. هذا المسار يضيف ما بين 10 الى 15 يوما لكل رحلة، مما يعني استنزافا اكبر للوقود وحاجة الشركات لاضافة سفينتين او ثلاث لكل خط ملاحي للحفاظ على وتيرة الرحلات الاسبوعية، وهو ما يضع ضغطا هائلا على الاساطيل المتاحة عالميا.
تتغلغل الازمة في صناعات حساسة لا يتوقعها المستهلك العادي، فالشرق الاوسط يصدر 40 في المائة من صادرات اسمدة اليوريا عالميا، واي تعطل في هذا الشريان يعني ارتفاع تكاليف الزراعة عالميا. بالتالي قفزة في اسعار الغذاء. كما برزت مخاوف حادة بشان امدادات الهيليوم الذي يعد عنصرا حيويا في صناعة اشباه الموصلات والرقائق الالكترونية، مما قد يبطئ من وتيرة الثورة التقنية الحالية. من الاثاث المنزلي الى الاجهزة الالكترونية، بدأ الموردون في فرض رسوم طوارئ لتغطية تكاليف التامين والوقود، وهي تكاليف ستجد طريقها حتما الى فاتورة المستهلك النهائي.
خلف الارقام والرسوم البيانية تبرز ماساة انسانية لآلاف البحارة العالقين على متن السفن. وبحسب شركة هاباغ لوييد، يواجه البحارة حالة من عدم اليقين المطلق، مع استحالة اجراء عمليات تبديل الاطقم بسبب اغلاق الممرات والمواني، مما يضعهم تحت ضغوط نفسية ومهنية هائلة في بيئة عمل محفوفة بالمخاطر العسكرية.
تختصر المحللة والاقتصادية في استشارية الشحن والخدمات اللوجستية العالمية في ام دي اس ترانسمودال، انطونيلا تيودورو، المشهد بقولها لشبكة ماركت ووتش ان التجارة مثل الماء، ستجد دائما طريقا للعبور، ولكن هذا الطريق سيكون مكلفا للغاية هذه المرة.

