تشهد الأسواق المصرية ارتفاعات متسارعة في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية والنقل، بالتزامن مع زيادة في أسعار الوقود والغاز بنسبة تصل إلى 30%، وذلك في ظل تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب وتأثيرها على تكاليف الاستيراد وسلاسل الإمداد.
مع تسارع وطأة الحرب وارتفاع أسعار الطاقة عالميا، بدأت آثارها تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في مصر، من تكاليف النقل إلى أسعار الأغذية والمشروبات وأنماط الشراء داخل الأسواق، في مؤشر على أن الأسر تعيد ترتيب أولوياتها الاستهلاكية وسط توقعات باستمرار الضغوط على الأسعار.
وإلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، أسهم تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في دفع أسعار السلع الأساسية إلى الارتفاع، خاصة تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
أقرّ رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بأن التداعيات السلبية للحرب تمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة وتكلفة التمويل وتوقعات النمو، بما ينعكس على مختلف جوانب الاقتصاد، مؤكدا أن ذلك يفرض على الدولة اتخاذ إجراءات لضمان استقرار السوق وتأمين الإمدادات.
رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30%، موضحة أن القرار يأتي استجابة للظروف الاستثنائية المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة.
وفيما يتعلق بالاحتياطي الإستراتيجي من السلع، أوضحت الحكومة أنه أصبح آمنا بمتوسط مخزون يبلغ نحو ستة أشهر للسلع الأساسية، مع امتداد بعض السلع إلى عشرة أشهر، بما يوفر مرونة في التعاقدات وتنوع مصادر التوريد وتأمين التمويل.
أشار شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية إلى أن استقرار الأسواق الشهر الماضي يعود إلى توفر السلع وتشديد الرقابة على التجار لضبط الأسعار، في إطار جهود الوزارة لتلبية احتياجات المواطنين.
في جولة ميدانية، لاحظ مراسل الجزيرة نت أن الأسعار ارتفعت بشكل واسع في الأيام الأخيرة، ولم تعد مقتصرة على سلعة بعينها، بينما تراجعت القدرة الشرائية لقطاعات واسعة، مع اتجاه المستهلكين إلى تقليص الكميات والبحث عن بدائل أقل تكلفة.
شهدت أسعار المخبوزات زيادات ملحوظة وصلت إلى نحو 25%، رغم تحديد وزارة التموين سعر الرغيف وزن 80 غرامًا عند جنيهين في حد أقصى.
كما شهدت أسعار الخضروات والفاكهة والحبوب والبقوليات واللحوم والدواجن والأسماك والألبان ومنتجاتها ارتفاعات متفاوتة تتراوح بين 15% و25%، متأثرة مباشرة بتراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار الوقود.
أعرب عدد من المواطنين عن استيائهم من الزيادة السريعة في الأسعار التي أثرت بشكل مباشر على بنود ثابتة في ميزانية الأسر.
تساءل علاء عبد الحميد قائلا "كيف يرتفع سعر السلعة بين ليلة وضحاها رغم أنها موجودة في المخازن قبل زيادة أسعار الوقود ولم تدخلها أي تكاليف جديدة؟ هذا يثبت أن السعر لا يعكس التكلفة الحقيقية بقدر ما يعكس استغلال أي قرار حكومي لرفع الأسعار، مما يضعنا تحت ضغط إعادة ترتيب أولويات الإنفاق".
في اليوم التالي لزيادة أسعار الوقود، ارتفعت تعريفة ركوب سيارات الأجرة والنقل الخاص بنحو 15%، كما قررت وزارة النقل لاحقا زيادة أسعار فئات تذاكر قطارات السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسب تتراوح بين 12.5% و25%.
لم تقتصر الانعكاسات على قطاع النقل فحسب، بل امتدت إلى سوق العقارات، إذ قرر العديد من ملاك الوحدات السكنية فرض زيادة بنسبة 15% في قيمة الإيجارات للعقود الجديدة بدلا من 10%.
تقول هدى كامل "هذه الزيادة المفاجئة في الإيجارات تضعنا أمام أعباء إضافية لم تكن في الحسبان، فمع ارتفاع كل شيء من مواصلات وطعام، يصبح تدبير قيمة الإيجار الجديدة تحديا يوميا".
على الجانب الآخر من معادلة البيع، كشف إبراهيم عيد عن ضغوط خفية يواجهها صغار التجار، مؤكدا أن الشركات الموردة هي المحرك الفعلي لقطار الغلاء عبر قوائم أسعار جديدة تفرضها قسرا.
لا يتفق عيد مع الاعتقاد السائد بأن الغلاء يصب في مصلحة التاجر، موضحا أن "تآكل قيمة رأس المال وبطء دورته نتيجة تراجع القوة الشرائية، حوّلا الأزمة إلى عبء مشترك، إذ يقف التاجر والمستهلك معا أمام مطرقة تكاليف النقل والمواد الخام وسندان تراجع الجنيه".
بدوره، حدد رئيس لجنة التجارة الداخلية والتموين بالشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية متى بشاي ثلاثة عوامل تؤثر سلبا على الأسواق المصرية التي تشهد حاليا ارتفاعات ملحوظة، وهي "ارتفاع أسعار الوقود، وانخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع تكلفة الشحن في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد"، مشيرا إلى أن مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها.
أضاف بشاي أن جزءا من أزمة الغلاء الراهنة ناجم عن استغلال بعض المستوردين والتجار للأزمة، إذ رفعوا الأسعار بنسبة تتراوح بين 20% و30%، رغم أنها لا تعكس التكلفة الحقيقية، مشيرا إلى أن الاتحاد العام للغرف التجارية بالتنسيق مع الحكومة يكثفان الجهود لمواجهة هذه الممارسات الاحتكارية.
حذر بشاي من تداعيات استمرار ارتفاع الأسعار، التي قد تؤدي إلى ركود في الأسواق وتضر بكافة أطراف المنظومة من مستهلكين وتجار ومستوردين، مؤكدا أن استمرار الحرب ينذر بمواصلة موجات تضخمية متلاحقة، مما يستوجب تفعيل "اقتصاد الطوارئ" وترشيد الاستهلاك على المستويين الحكومي والشعبي لمواجهة القادم.
في هذا السياق، قررت الحكومة المصرية إغلاق المحال والمولات والمطاعم في التاسعة مساء (والعاشرة يومي الخميس والجمعة) مدة شهر ابتداء من 28 مارس/آذار، وذلك ضمن خطة عاجلة لترشيد استهلاك الكهرباء في المباني الحكومية والجهاز الإداري للدولة.
توقعت أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة هبة الليثي أن تؤدي العوامل السابقة إلى عودة المسار الصعودي لمؤشر التضخم العام في مصر إذا استمرت الحرب، متوقعة أن تمتد آثارها أشهرا عدة قبل التعافي.
أضافت الليثي أن "الحكومة كان بإمكانها اتخاذ إجراءات مسبقة لتقليل أثر الصدمات، بينما لا مفر من تأثيرات مثل زيادة أسعار الطاقة وارتفاع تكلفة الشحن"، مشيرة إلى أن المؤشرات العالمية كانت تشير إلى اقتراب عاصفة اقتصادية، متسائلة عن الإجراءات التي تم اتخاذها لتلافي العواقب.
أوضحت الليثي أن الاعتماد على الأموال الساخنة والاستثمار غير المباشر في أدوات الدين الحكومية خطأ متكرر، وكان يفترض تجنبه، مؤكدة أن زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي محليا كان سيخفف من حدة الصدمة الناتجة عن نقص سلاسل الإمداد واعتماد السوق على الواردات.
وبشأن الفئات الأكثر تضررا، أكدت الليثي أن أكثر من 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما اضطرت شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة للتخلي عن مدخراتها لمواجهة الفواتير وارتفاع تكلفة المعيشة، مما دفع الأسر لتقليص الإنفاق أو اللجوء إلى بدائل أرخص، محذرة من أن نقص الغذاء قد ينعكس على صحة ملايين المصريين ويهدد استقرار النسيج المجتمعي.
كان معدل التضخم الأساسي في مصر قد سجل ارتفاعا ملحوظا في فبراير/شباط الماضي، إذ بلغ 12.7% على أساس سنوي، مقارنة بـ11.2% في يناير/كانون الثاني، وفقا لبيانات البنك المركزي.
هذا التصعيد في المؤشرات الرسمية يعكس حجم الضغط التضخمي الذي بدأ يتسارع حتى قبل الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، مما يشير إلى أن الأسواق المصرية تدخل مرحلة جديدة من الموجة التصاعدية التي تتداخل فيها العوامل المحلية مع انعكاسات التوترات الإقليمية على سلاسل الإمداد والطاقة.







