انطلقت فعاليات مؤتمر "سيراويك"، أكبر تجمع عالمي لقطاع الطاقة، في مدينة هيوستن الأميركية وسط أجواء استثنائية طغت عليها أصداء الحرب في الشرق الأوسط.
يستمر الحدث لمدة خمسة أيام، ويأتي في وقت أجبر فيه إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز منتجي الشرق الأوسط على إيقاف جزء كبير من إنتاجهم، كما شنت طهران هجمات على مواقع نفطية وغازية في الخليج بعد أن استهدفت إسرائيل أحد حقولها الغازية الكبيرة الأسبوع الماضي.
يشارك في المنتدى أكثر من 10 آلاف من رؤساء الشركات والمسؤولين والمستثمرين، ووصف المراقبون الدورة بأنها "ستدخل التاريخ" نظراً لحجم الاضطرابات التي تعصف بالاقتصاد العالمي.
قفزت أسعار النفط العالمية الأسبوع الماضي لتصل إلى ما يقارب 120 دولاراً، وهي مستويات لم تشهد منذ أن أدت الحرب الروسية على أوكرانيا إلى اضطراب الأسواق في عام 2022.
قال مارك براونشتاين، نائب الرئيس الأول لشؤون الطاقة في صندوق الدفاع عن البيئة، إن "هذا المؤتمر سيكون حدثاً تاريخياً".
بينما أوضح جيفري بيات، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون موارد الطاقة في عهد الرئيس السابق جو بايدن ويشغل حالياً منصب مدير تنفيذي أول بشركة ماكلارتي أسوشيتس الاستشارية الأميركية، أن "الجغرافيا السياسية المتعلقة بالطاقة لم تشهد هذا القدر من التعقيد والسرعة من قبل، فالوضع في الخليج، بالإضافة إلى فنزويلا، وكل التداعيات المتعلقة بروسيا، كلها عوامل تجعل هذه اللحظة استثنائية حقاً".
فقدت الدول المستهلكة في الغالب الأمل في أن تكون الاضطرابات قصيرة الأجل، وخفض عدد من مصافي التكرير وشركات البتروكيماويات، ومعظمها في آسيا، عمليات الإنتاج أو أغلقت وحدات أو أعلنت حالة "القوة القاهرة" مع تسبب الصراع في تعطيل صادرات النفط الخام والمواد الخام من الشرق الأوسط.
في الولايات المتحدة، تجاوزت أسعار الديزل 5 دولارات للغالون لأول مرة منذ عام 2022، بينما اتجهت أسعار البنزين نحو 4 دولارات للغالون، وزاد هذا من حدة التوتر السياسي بالنسبة للرئيس دونالد ترمب وحزبه الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
اضطر منظمو المؤتمر إلى تعديل جدول الأعمال وإضافة جلسات خاصة لمناقشة تداعيات الحرب بعد الضربات الإسرائيلية الأميركية الأخيرة التي استهدفت مواقع الإنتاج مباشرة.
حذر دانيال يرغين، رئيس المؤتمر ونائب رئيس شركة "ستاندرد آند بورز غلوبال"، قائلاً: "نحن نشهد أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمية، لم يسبق أن وقع حدث بهذا الحجم من قبل".
أكد يرغين أن الأمن والقدرة على تحمل التكاليف سيكونان المحورين الرئيسيين لمؤتمر "سيراويك"، في تحول سريع عن الأسابيع الماضية حين كان من المقرر أن يكون موضوع شركات التكنولوجيا الكبرى وعلاقتها بقطاع الطاقة هو الأبرز.
وتابع: "ستنظر جميع هذه الشركات المنتجة إلى العالم بنظرة مختلفة، وستعيد الدول النظر في مدى اعتمادها، وأعتقد أننا سنشهد توجهاً قوياً نحو تنويع مصادر الإمداد".
يدرس صناع السياسات في جميع أنحاء العالم حالياً مقترحات لتوسيع نطاق الطاقة النووية والطاقة المتجددة وزيادة المخزونات الاستراتيجية ورفع مستوى الإنتاج المحلي سعياً لتقليل الاعتماد طويل الأجل على واردات النفط والغاز.
يترقب المشاركون باهتمام بالغ كلمة وزير الطاقة الأميركي كريس رايت الاثنين بحثاً عن أي مؤشرات حول إجراءات حكومة دونالد ترمب لاحتواء قفزات أسعار النفط، ومن المقرر أن يشهد الأسبوع مشاركات رفيعة لرؤساء كبرى الشركات مثل "توتال إنرجي" و"شل" و"شيفرون" لمناقشة التوازن الصعب بين أمن الطاقة والتحول المناخي في ظل عودة ترمب للتركيز على الفحم والنفط والانسحاب مجدداً من اتفاقية باريس للمناخ.
تبرز نسخة 2026 بحضور سياسي دولي لافت تتصدره زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو التي ستتحدث الثلاثاء عن "مستقبل فنزويلا"، وقد استغل فريقها المؤتمر العام الماضي لعرض خطة طاقة مفصلة، وسيترقب المستثمرون هذا العام أي إشارات قد ترسلها بشأن جهود الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز لزيادة الإنتاج بسرعة بمساعدة واشنطن في إطار سعيها لإعادة الديمقراطية.
يأتي هذا الاهتمام بعد تحول جذري في الموقف الأميركي عقب اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث رفعت واشنطن العقوبات وبدأت تشجيع الاستثمارات لاستغلال احتياطات فنزويلا الهائلة لتعويض نقص الإمدادات العالمي.
يبحث عشرات المستثمرين عن فرص استثمارية لاستغلال احتياطات النفط الخام الهائلة في فنزويلا، ويواجهون مخاطر قانونية وعدم استقرار في الأنظمة وبنية تحتية قديمة غير قابلة للاستخدام دون استثمارات ضخمة.
كان وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قد صرح الشهر الماضي من كاراكاس بأنه يتوقع "زيادة كبيرة" في إنتاج فنزويلا خلال الأشهر المقبلة، إلا أن خبراء الصناعة يتوقعون عموماً أن تؤدي التوسعات المبكرة إلى رفع الإنتاج بما يصل إلى 500 ألف برميل يومياً في غضون ستة أشهر فقط من مليون برميل يومياً حالياً، ولن تكون هذه الزيادة كافية لتعويض اضطراب الإمدادات الناجم عن الأزمة الإيرانية.
سيسلط المؤتمر الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، وسيضم مساحة عرض للشركات الناشئة والشركات الرائدة لعرض أحدث التقنيات، وقد أسهمت تحسينات الكفاءة والتقنيات الجديدة في رفع إنتاج النفط الخام الأميركي إلى مستوى قياسي بلغ 13.6 مليون برميل يومياً العام الماضي، ومع ذلك، من غير المرجح أن يؤدي الارتفاع الأخير في الأسعار إلى زيادات كبيرة في الإنتاج ما لم تستمر الأسعار مرتفعة لعدة أشهر، وفقاً لما ذكره مسؤولون تنفيذيون ومحللون في القطاع، ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، من المتوقع أن ينمو إنتاج حوض بيرميان الذي يمتد بين غرب تكساس وجنوب شرقي نيو مكسيكو بمقدار 10 آلاف برميل يومياً فقط هذا العام ليصل إلى مستوى قياسي يبلغ 6.6 مليون برميل يومياً.
وفيما يتعلق بتوقعات الإنتاج الأميركي، قال دان بيكرينغ، كبير مسؤولي الاستثمار بشركة "بيكرينغ إنرجي بارتنرز": "أعتقد أن الوضع سيبقى على حاله إلى أن تتضح معالم هذه المنافسة، سواء انتهت أم لا"، وأضاف: "لن يكون الأمر تسونامي".







