مع خفوت أضواء ليل مصر تدريجيا، لا يقتصر الأمر على إغلاق المحال التجارية أو المقاهي، بل يتعداه إلى توقف مصادر رزق كاملة، حيث يجد آلاف العاملين الذين كانت ساعات الليل تمثل "وقتهم الذهبي" أنفسهم فجأة بلا زبائن وبلا عمل، وذلك بعد قرار رسمي بتبكير مواعيد الإغلاق، في وقت يختبر فيه الاقتصاد المصري قدرته على التكيف مع أزمات متجددة وطارئة.
بدأت الحكومة المصرية مطلع الأسبوع الجاري تطبيق إجراءات لترشيد الكهرباء، وتضمنت هذه الإجراءات إغلاق المحال والمراكز التجارية عند التاسعة مساء، مع استثناء يومي الخميس والجمعة حتى العاشرة، وذلك لمدة شهر قبل تقييم النتائج، بالإضافة إلى خفض إنارة الشوارع للحد من الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة الوقود واضطرابات إمدادات الطاقة.
في القاهرة الكبرى، التي تعرف بأنها "لا تنام"، ينبض بعد الغروب وجه آخر للاقتصاد، وهو اقتصاد يقوم على الليل، ويعيش عليه من لا يملكون ترف الانتظار حتى الصباح، ليجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة سؤال: ماذا يحدث حين يختصر الليل؟
يتبدل المشهد داخل دهاليز شارع المعز، حيث تختلط ظلال التاريخ بإيقاع يومي يتغير بوجه عمالة غير منتظمة، وشرع بعض أصحاب المحال منذ اليوم الأول للإغلاق الليلي في إعادة ترتيب يومهم بفتح أبوابهم مبكرا، لكن حركته التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل باتت أكثر حذرا وانكماشا.
وعلى إطلالة مشهد جامع الحسين بالمنطقة ذاتها، يقف مقهى "الفيشاوي" العريق محتفظا بروح القاهرة القديمة، لكن اليوم تبدلت أحواله، شأنه شأن رواده، الذين غابوا مع بدء تسجيل الغياب لحياة كانت للتو صاخبة من حولهم، وفي الأزقة المتفرعة من سوق "خان الخليلي" السياحي، خفتت الأضواء مبكرا على غير المعتاد.
وفي قاعات الأفراح، حيث تبدأ الاحتفالات عادة بعد التاسعة، تبدو الحيرة أكبر، إذ يقول مدير إحداها بمنطقة المنشية بمحافظة الجيزة إن لديه جدولا مزدحما بالأفراح خلال الأسابيع المقبلة، ولا يعرف كيف يمكن إعادة تنظيمها.
بينما في قطاع السينما، برزت اعتراضات حادة، إذ أكد رئيس غرفة صناعة السينما هشام عبد الخالق أن حفلات الليل تمثل ما بين 80% و85% من إجمالي الإشغال، بينما لا تتجاوز حفلات النهار 1% فقط، ودعا نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل إلى استثناء الأنشطة الفنية والترفيهية.
حول دوافع قرار الإغلاق المبكر، يرى الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب الخبير الاقتصادي فخري الفقي أنها ترتبط مباشرة بتداعيات الحرب، مؤكدا أن مصر باعتبارها دولة مستوردة للمنتجات البترولية تتأثر بشكل مباشر بهذه التطورات، ما فرض على الحكومة اتخاذ إجراءات احترازية لضبط الاستهلاك، خاصة مع اقتراب الصيف وزيادة الطلب على الكهرباء.
من جانبه، اعتبر خبير التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية الأسبق رضا فرحات أن القرار يأتي في إطار تدريجي لتجنب إجراءات أكثر حدة، متوقعا امتداد تأثيره إلى قطاعات واسعة في مقدمتها المراكز التجارية والمطاعم والكافيهات.
ومستندا إلى تحليل لنمط المستهلك المصري، أوضح أن نشاط الاستهلاك يرتفع من 40% عند السادسة مساء إلى 65% عند السابعة، ثم يبلغ ذروته عند 85% إلى 90% بين الثامنة والتاسعة مساء، ما يجعل توقيت الإغلاق عند التاسعة مساسا مباشرا بذروة الاستهلاك.
بدوره، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب أن القرار يحمل جانبا إيجابيا في ظل الظروف الحالية، على رأسها ترشيد استهلاك الطاقة مع الحفاظ على الأنشطة السياحية كمصدر مهم للعملة الأجنبية، محذرا في الوقت ذاته من تداعيات اجتماعية واقتصادية ملموسة خاصة على الأنشطة الخدمية التي تعتمد على العمل الليلي.
جاء قرار الإغلاق المبكر ضمن حزمة أوسع من إجراءات الترشيد، شملت رفع أسعار الوقود والمواصلات العامة وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية وبدء تطبيق العمل عن بعد يوما أسبوعيا وخفض إنارة الشوارع وإطفاء الإعلانات ليلا.
وتزامنت هذه الإجراءات مع ملامسة الدولار 55 جنيها للمرة الأولى في السوق الرسمية وتسارع وتيرة التضخم الشهري وارتفاع فاتورة الطاقة.
وحسب تقرير حديث، تستهلك المحال التجارية 5.4% من إجمالي الطاقة الكهربائية، بينما تمثل الإنارة العامة 2.7%، وتستهلك الحكومة والقطاعات التابعة لها نحو 10.4% من الكهرباء، بينما يذهب 27% للقطاع الصناعي و37.2% للاستهلاك المنزلي.
وتظهر البيانات أن ثمة نحو 400 ألف منشأة تعمل في قطاع المطاعم والمقاهي، ويبلغ حجم قطاع المطاعم والمقاهي السنوي أكثر من 104 مليارات جنيهات، وتشير الأرقام إلى أن 710 آلاف عمال يعملون في قطاع المطاعم وحده، فيما لا تتوفر بيانات دقيقة عن عدد العاملين في المقاهي، وثمة 1.7 مليون محل تجاري للبيع بالتجزئة يعمل بها 4.1 مليون عامل ويملكها 1.9 مليون شخص، وقد يؤثر قرار توقيت الإغلاق عند التاسعة مساء على أكثر من 7.5 مليون شخص.
الجزيرة نت







