أعادت الهدنة بين أمريكا وإيران رسم تسعير أسواق النفط والطاقة بصورة سريعة، حيث انتقلت السوق من الخوف من انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى تسعير هدنة تخفف الصدمة الآنية، مع الإبقاء على المخاطر.
أوضح هذا التحول ضغطا على أسعار الخام وأنعش أسواق المال، ولكنه أبقى المتعاملين أمام ثلاثة عوامل حاسمة في الأسابيع المقبلة.
أضافت بلومبيرغ أن النظرة المستقبلية للنفط تعتمد على استقرار الهدنة وكيفية استئناف المرور عبر هرمز، ويرى محللون أن الهبوط الذي أعقب الإعلان قد يواجه عراقيل إذا تباطأت عودة التدفقات أو ظهرت تصدعات في التفاهم الأمريكي الإيراني.
نقلت الوكالة عن روبرت ريني، محلل السلع في "وستباك"، قوله إن إعادة تشغيل الآبار المتوقفة، وإعادة الأطقم والسفن إلى مواقعها، وإصلاح المصافي واستكمال مخزوناتها، ثم شحن الوقود إلى الدول المحتاجة، كلها عمليات قد تستغرق أشهرا حتى إذا ثبت وقف إطلاق النار وتمت إعادة فتح هرمز بصورة منسقة.
انخفض خام برنت 15.29% إلى 92.56 دولارا للبرميل، وتراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 17.24% إلى 93.48 دولارا للبرميل.
أكدت بلومبيرغ وتعليقات خبراء للجزيرة نت أن التراجع السريع لا يعني أن السوق عادت إلى التوازن السابق، ونقلت بلومبيرغ عن جيسون شينكر، رئيس "برستيغ إيكونوميكس"، قوله إن العودة إلى ما دون 80 دولارا للبرميل تحتاج إلى تطور استثنائي، بينما قد يعيد أي تعثر في محادثات وقف إطلاق النار الأسعار سريعا فوق 100 دولار.
نقلت الوكالة عن فيفيك دهار، المحلل في بنك الكومنولث الأسترالي، أن مدى تشدد إيران في إدارة هذا الملف سيبقى عاملا يحد من أي هبوط إضافي ملموس، وأن أسعار الطاقة خلال الشهرين المقبلين ستستقر على مستويات تعكس حجم التعطل الذي أصاب الإنتاج والبنية التحتية في الشرق الأوسط إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.
قال الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي إن ما حدث هو انتقال سريع من تسعير "سيناريو الانقطاع الكامل" إلى تسعير "هدنة هشة"، وليس استقرارا كاملا أو إزالة كاملة لعلاوة المخاطر.
أضاف الشوبكي أن تراجع النفط إلى ما دون 100 دولار رافقه تحسن فوري في المعنويات وعودة تدريجية للسيولة إلى الأسواق المالية، مع بدء المحافظ الاستثمارية التحول من الخروج والتحوط إلى إعادة بناء مراكزها بصورة انتقائية وحذرة.
يرى الشوبكي أن هذا التحسن السريع في الأسعار نتج عن عاملين متداخلين.
أوضح الشوبكي أن التطور يمثل انفراجا لحظيا أكثر منه عودة فعلية للتوازن، لأن إخراج الشحنات من الخليج خطوة أولى، بينما تبقى استعادة الثقة لدى شركات الشحن والتأمين مسارا أكثر تعقيدا.
تبدو سوق الغاز أكثر حساسية من سوق النفط، فحسب بلومبيرغ، فإن الطلب الصيني على الغاز الطبيعي المسال لن يعود للارتفاع القوي لمجرد إعلان الهدنة، لأن المخاطر المرتبطة بالإمدادات ما تزال قائمة، كما أن الأسعار المرتفعة وتضرر بعض مرافق التصدير سيتركان أثرا أطول أمدا.
قال الشوبكي إن إعلان قطر للطاقة خروج نحو 17% من طاقتها على تسييل الغاز الطبيعي المسال، بما يقارب 12.8 مليون طن سنويا، لفترة قد تمتد من سنتين إلى 5 سنوات، يمثل فجوة حقيقية في سوق الغاز العالمي، مضيفا أن هذه الكميات لن تُستبدل بسهولة، وأن جزءا من التعويض سيأتي عبر الفحم، والجزء آخر عبر زيت الوقود والديزل، بما يبقي الضغط قائما على أسواق الطاقة حتى مع تحسن المزاج العام في الأسواق المالية.
يمتد أثر الهدنة إلى إعادة رسم بعض مسارات التجارة، فحسب بلومبيرغ، اشترت شركة "إنديان أويل" المملوكة للدولة في الهند شحنة نفط إيراني، في ما سيكون أول تسليم من هذا النوع منذ 2019، بعد أسابيع من الاضطراب في الشرق الأوسط.
تأتي هذه الصفقة بينما تسعى الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، إلى تأمين احتياجاتها وسط أزمة طاقة حادة، مستفيدة من ترخيص عام أصدرته وزارة الخزانة الأمريكية الشهر الماضي أعفى بعض الشحنات الإيرانية الموجودة بالفعل على الماء من القيود السابقة.
أشارت بلومبيرغ إلى أن واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال هبطت 11% العام الماضي إلى 68.4 مليون طن، بينما تتوقع "بلومبيرغ إن إي إف" تراجعا جديدا في 2026 إلى 62.3 مليون طن.
قالت "شل" إن أرباح تجارة النفط لديها ارتفعت "بصورة كبيرة" في الربع الأول، مستفيدة من الفوضى التي ضربت أسواق الطاقة، بينما ارتفع هامش التكرير الاسترشادي لدى الشركة إلى 17 دولارا للبرميل مقابل 14 دولارا في الربع الأخيرة.
تراجعت أنشطة الغاز المتكاملة لدى شركة شل بعد توقف عمليات رئيسية في قطر، رغم أن تسارع مشروع "إل إن جي كندا" ساعد في الحفاظ على استقرار أحجام الغاز الطبيعي المسال.
أوضحت شركة شل أن الضربات الإيرانية في المنطقة ألحقت أضرارا بالمصافي والحقول والموانئ ومصانع الغاز، بما في ذلك أصول رئيسية للشركة في مجمع رأس لفان في قطر، الذي يضم أكبر محطة تصدير للغاز الطبيعي المسال في العالم وأكبر منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، مع حاجة بعض المرافق إلى نحو عام لإتمام الإصلاح.
قال محمد رمضان، المستشار السابق لوزير المالية الكويتي، إن الهدنة تمثل إشارة إيجابية للاقتصاد لكنها لا تضمن في حد ذاتها استقرارا دائما، لأن أي اختراق أو كسر للهدنة قد يدفع الأسعار إلى الصعود أو الهبوط بسرعة تبعا للمعطيات الجديدة.
أضاف رمضان أن المرور في المضيق بات أكثر أمانا نسبيا، لكن أي تطور مفاجئ يمكن أن يغير المشهد في أي لحظة، ما يجعل النظرة القريبة الأجل للأسعار والاقتصاد شديدة الصعوبة.
في المجمل، خففت هدنة الـ14 يوما الصدمة الفورية التي عاشتها أسواق النفط والطاقة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، لكنها لم تُنه الأزمة؛ فالنفط تراجع لأن السوق تخلت مؤقتا عن سيناريو الانقطاع الكامل، غير أن مستقبل الأسعار ما يزال رهنا بمدى استقرار الهدنة، وسرعة إعادة فتح هرمز، وحجم الضرر الذي لحق بالإمدادات والبنية التحتية، وقدرة المنتجين والمشترين وشركات الشحن والتأمين على استعادة الثقة.
بينما منحت الهدنة الاقتصاد العالمي فترة تنفس، فإن التوازن الحالي يبقى هشا، وتظل علاوة المخاطر حاضرة في قلب أسواق الطاقة.







