وجدت السوق التركية نفسها امام موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة مع دخول قرارات الزيادة حيز التنفيذ في الرابع من ابريل/نيسان الجاري. بعد اعلان هيئة تنظيم سوق الطاقة رفع تعريفة الكهرباء للمنازل بنسبة 25%، بالتوازي مع قرار شركة "بوتاش" زيادة اسعار الغاز الطبيعي بالنسبة نفسها للمستهلكين المنزليين.
واضافت التقارير ان هذه الزيادات شملت مختلف القطاعات بدرجات متفاوتة، حيث ارتفعت اسعار الكهرباء لقطاع الخدمات العامة والخاصة بنسبة 17.5%، في حين زادت تعريفة الكهرباء للقطاع الصناعي بنسبة 5.8%.
وبينت البيانات انه على صعيد الغاز الطبيعي سجلت زيادة بنسبة 18.61% للمستهلكين الصناعيين، و19.42% لمحطات توليد الكهرباء.
واوضحت هيئة تنظيم سوق الطاقة في بيان لها ان الزيادة في الاسعار جاءت بسبب زيادة تكاليف انتاج وتوزيع الكهرباء.
واشارت التقارير الى ان هذه القفزة تاتي في وقت يواصل فيه التضخم ضغطه على القدرة الشرائية، اذ بلغ 30.87% على اساس سنوي في مارس/اذار الماضي، مدفوعا بارتفاع اسعار الغذاء والنقل، مما يضاعف اثر زيادات الطاقة على ميزانيات الاسر التركية.
وفي تصريحات سابقة، قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي الب ارسلان بيرقدار للجزيرة نت ان تركيا لا تملك هامشا واسعا لتفادي تداعيات تقلبات الارتفاع باسعار الطاقة، مؤكدا ان كل زيادة بدولار واحد في سعر برميل النفط ترفع فاتورة الطاقة على البلاد بنحو 400 مليون دولار.
تعكس زيادات ابريل/نيسان الجاري امتدادا لمسار تصاعدي شهدته اسعار الكهرباء والغاز في تركيا خلال السنوات الاخيرة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الانتاج والتوزيع وتراجع قيمة الليرة، اضافة الى الضغوط المتزايدة على المالية العامة.
واكدت المصادر انه خلال هذه الفترة، انتقلت السياسة الحكومية تدريجيا من تثبيت الاسعار عبر الدعم الى تمرير زيادات متتالية بهدف احتواء الكلفة المتراكمة على قطاع الطاقة.
وبدات هذه التحولات بوضوح في اكتوبر/تشرين الاول 2023، عندما رفعت اسعار الغاز بنحو 20% للمصانع ومحطات توليد الكهرباء، بالتوازي مع زيادة مماثلة في تعريفة الكهرباء، في خطوة استهدفت القطاعات الانتاجية مع الابقاء على اسعار المنازل دون تغيير.
وفي اغسطس/اب 2024، اتجهت الحكومة الى تعديل اسعار الغاز بالجملة للشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 33.1%، في محاولة لتقليص الخسائر المتزايدة لشركة "بوتاش" دون تحميل المستهلك المنزلي كلفة مباشرة.
ومع حلول ابريل/نيسان 2025، عادت زيادات الكهرباء الى الواجهة، حيث اعلنت هيئة تنظيم سوق الطاقة رفع تعريفة الكهرباء المنزلية بنسبة 25%، الى جانب زيادات متفاوتة لقطاعات الخدمات والصناعة والزراعة، في حين ابقي على اسعار الغاز المنزلي مستقرة نسبيا.
غير ان هذا التوازن لم يدم طويلا، اذ في يوليو/تموز من العام نفسه تم رفع اسعار الغاز الطبيعي للمنازل بنسبة 24.6%، في سياق ضغوط مرتبطة باهداف الموازنة.
تتحرك زيادات اسعار الطاقة في تركيا ضمن سياق اقتصادي اوسع تحكمه درجة عالية من الاعتماد على الواردات.
وتعد تركيا من كبار مستوردي الغاز الطبيعي في اوروبا، اذ استهلكت في عام 2025 نحو 16 مليار متر مكعب من الغاز المستورد لتوليد الكهرباء، وهو ما يمثل اكثر من ربع اجمالي وارداتها من الغاز.
ويعكس ذلك ثقل فاتورة الطاقة في الاقتصاد التركي، التي قدرت بنحو 62 مليار دولار خلال العام ذاته، مع تصدر الغاز والنفط قائمة بنودها الرئيسية.
واضافت المصادر ان هذا الاعتماد البنيوي تزامن مع موجة صعود حادة في اسعار الطاقة عالميا في 2026، مدفوعة بتداعيات الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران واتساع نطاقها ليشمل مضيق هرمز، احد اهم شرايين امدادات النفط في العالم.
وانعكس ذلك على السوق المحلية، حيث زاد سعر الديزل في تركيا الى نحو 80 ليرة (نحو 1.80 دولار) للتر، مما دفع وزير المالية محمد شيمشك الى التحذير من ان استمرار دعم الوقود بهذا الشكل سيثقل كاهل الموازنة، ويجعل استدامة النظام الحالي موضع شك.
تظهر الزيادات في اسعار الطاقة اثرا مباشرا ومتسارعا على الحياة اليومية في تركيا، مع تصاعد الضغط على ميزانيات الاسر، ولا سيما ذات الدخل المحدود.
وبحسب التعريفة الجديدة، تجاوزت فاتورة الكهرباء لعائلة مكونة من 4 افراد وتستهلك نحو 250 كيلوواط/ساعة شهريا حاجز 800 ليرة (حوالي 18 دولارا)، فيما تبلغ فاتورة استهلاك 100 كيلوواط/ساعة نحو 323.8 ليرة (حوالي 7.4 دولارات)، ما يعكس انتقال كلفة الزيادات بشكل شبه كامل الى المستهلك النهائي.
وبعد مرور ايام قليلة على تطبيق الاسعار الجديدة، عبر مواطنون اتراك عن قلقهم حيال ما قد تجلبه لهم الاشهر المقبلة من اعباء اضافية.
وقال احمد كليتش، وهو موظف حكومي في الاربعين من عمره، للجزيرة نت، "في السابق كنت اخصص مبلغا شبه ثابت للوقود، اما الان فاصبحت التكلفة تتغير من اسبوع الى اخر، مع ارتفاع اسعار الطاقة زاد سعر البنزين والديزل، وهذا انعكس مباشرة على مصروفاتي، ورحلتي اليومية الى العمل التي كانت امرا روتينيا، اصبحت تحتاج الى حساب مسبق".
ويضيف كليتش ان التاثير يمتد ايضا الى تكاليف غير مباشرة، مثل ارتفاع اسعار خدمات النقل والسلع، "حتى عندما لا استخدم السيارة ادفع الزيادة بشكل غير مباشر، اسعار السلع في الاسواق اصبحت اغلى لان تكاليف النقل زادت، انت تدفع كلفة الطاقة سواء بشكل مباشر او ضمن اسعار كل شيء حولك".
اما فاطمة كايا، وهي ربة منزل وام لطفلين، فتقدم صورة اكثر تفصيلا عن التغير داخل المنزل نفسه، وتقول ان الزيادة في الكهرباء دفعت الاسرة الى اعادة تنظيم نمط الاستهلاك اليومي، "لم نكن نفكر كثيرا في استهلاك الكهرباء سابقا لكن الان اصبحنا نحسب كل شيء، مثلا نحاول تشغيل الغسالة في اوقات محددة، ونؤجل استخدام بعض الاجهزة اذا لم تكن ضرورية".
وتشير فاطمة الى ان المشكلة لا تكمن فقط في قيمة الفاتورة، بل في تراكم النفقات "فاتورة الكهرباء وحدها ربما يمكن تحملها لكن عندما تضيف اليها الغاز والماء والغذاء، يصبح الوضع مختلفا"، وتضيف "لم يعد لدينا الشعور بالامان المالي، كل قرار صغير داخل المنزل اصبح مرتبطا بحساب التكلفة، وهذا بحد ذاته تغيير كبير في طريقة العيش".
وفي قراءة لتداعيات الزيادات الاخيرة في اسعار الطاقة، يرى بلال بغيش الاستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة الفاتح سلطان محمد، ان زيادات اسعار الطاقة في تركيا جاءت في سياق ضغوط خارجية وداخلية متراكمة، على راسها تداعيات الحرب في الشرق الاوسط وارتفاع كلفة الواردات، مما انعكس مباشرة على عجز الحساب الجاري والموازنة العامة.
ويضيف بغيش في حديث للجزيرة نت، ان الضغوط لا تقتصر على الطاقة، بل ترتبط ايضا ببيئة مالية عالمية تتسم بارتفاع اسعار الفائدة وتشديد السيولة، مما يرفع كلفة التمويل ويزيد من عبء خدمة الدين داخل الموازنة.
ويؤكد ان دعم الطاقة في تركيا بلغ مستويات مرتفعة في السنوات الاخيرة، حيث خصص له نحو 650 مليار ليرة (نحو 14.5 مليار دولار) في 2025، مع استهداف خفضه الى نحو 300 مليار ليرة ( نحو6.7 مليارات دولار)، وهو ما يفسر الاتجاه نحو نظام التعريفة المتدرجة وتقليص الدعم تدريجيا.
ويشير بغيش الى ان الزيادات الجديدة، بما فيها رفع الاسعار بنحو 25%، تهدف الى تخفيف العبء على الموازنة، لكنها في المقابل قد تعمق الضغوط التضخمية، مع توقع اضافة نحو 0.6 نقطة مئوية الى التضخم، الى جانب تاثيرات غير مباشرة على تكاليف الانتاج والبطالة.
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي عثمان ايبيك ان الحد من تاثير تقلبات الاسواق العالمية على اسعار الطاقة في تركيا يمر عبر مزيج من السياسات الهيكلية والمالية، في مقدمتها تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المحلية والمتجددة، بما يشمل الكهرومائية والرياح والشمس، الى جانب مشروعات استراتيجية مرتقبة مثل تشغيل اول مفاعل نووي وتوسيع انتاج الغاز من البحر الاسود، ما يعزز الاكتفاء المحلي ويحد من الواردات.
وفي ما يتعلق بحماية الفئات ذات الدخل المحدود، يؤكد ايبيك في حديث للجزيرة نت، ان الحل يكمن في اعادة تصميم الدعم ليكون اكثر استهدافا، من خلال تقديم كميات مدعومة من الكهرباء والغاز للفئات الاكثر هشاشة، الى جانب اعتماد برامج تحويلات نقدية او قسائم طاقة تغطي جزءا من الفواتير، مع تمويلها جزئيا من نظام الاسعار التصاعدية للطاقة.
ويضيف ايبيك ان تحسين كفاءة استهلاك الطاقة يمثل مسارا مكملا لا يقل اهمية، عبر دعم استخدام الاجهزة الموفرة وتحسين عزل المنازل، الى جانب حملات توعية تساعد الاسر على خفض الاستهلاك وتجنب الانتقال الى شرائح سعرية اعلى.







