في بلد يئن تحت وطاه حرب مفتوحة وازمات متراكمة، لم تعد ازمة الطاقة في لبنان احتمالا مؤجلا بل واقعا يتسلل الى تفاصيل الحياة اليومية ويعيد تشكيلها على ايقاع العتمة وارتفاع الكلفة.
ومع اتساع رقعه التوترات وتعطل سلاسل الامداد وارتفاع كلفة الاستيراد، تدخل البلاد فعليا في ازمة محروقات وغاز تتقاطع مع تراجع حاد في قدرة المؤسسات الرسمية على تامين الحد الادنى من الخدمات.
في هذا المشهد الضاغط، تكافح مؤسسة كهرباء لبنان لتوفير تغذية محدودة لا تتجاوز في افضل الاحوال 4 ساعات يوميا وسط ارتفاع كلفة الانتاج وتاثر حركة النقل والشحن بتداعيات الحرب.
ورغم قتامة الصورة، تبدو الامدادات النفطية حتى الان اكثر تماسكا مما توحي به المخاوف المتصاعدة، حيث أن وضع الامدادات لا يزال تحت السيطرة،حسب نقيب أصحاب محطات المحروقات، مستندا الى طبيعة مسارات الاستيراد التي يعتمدها لبنان من دول حوض البحر الابيض المتوسط لا سيما من اليونان وايطاليا وتركيا بعيدا عن مسارات التوتر التقليدية في الخليج.
هذا الاستقرار النسبي في التوريد تدعمه 3 مستويات من التخزين تشكل شبكة امان للسوق.
- خزانات الشركات المستوردة التي تؤمن مخزونا يكفي لاسابيع.
- خزانات المحطات المنتشرة في مختلف المناطق.
- التخزين الفردي حيث يلجا المواطنون الى ابقاء خزانات سياراتهم ممتلئة كاجراء احترازي في ظل الضبابية.
لكن هذه الصورة لا تعكس استقرارا كاملا في السوق، اذ يسجل الاستهلاك تراجعا ملحوظا بنحو 25% مع انخفاض الطلب اليومي على البنزين من نحو 8 ملايين لتر الى قرابة 6 ملايين في مؤشر يرتبط بصعوبة الوصول الى بعض المناطق المتضررة من الحرب وتراجع الحركة بشكل عام.
اما على مستوى الاسعار، فترتبط الارتفاعات المسجلة مباشرة بتقلبات السوق العالمية، لافتا الى ان سعر المازوت يشهد ارتفاعا بوتيرة اسرع من البنزين نتيجة نقص الكميات المعروضة عالميا مقابل طلب مرتفع.
لا تتوقف تداعيات ازمة الطاقة عند حدود الكهرباء بل تمتد الى مفاصل الاقتصاد كافة، فقد ادى ارتفاع اسعار المحروقات الى زيادة كلفة النقل والاستيراد بما يشمل السلع الاساسية في سلسلة مترابطة من الضغوط تضيق معها القدرة الشرائية.
ويبرز الخبز في صدارة السلع التي تاثرت بهذه التداعيات مع اعتماد انتاجه بشكل كبير على المازوت مما دفع وزارة الاقتصاد الى رفع تسعيرة ربطة الخبز في مؤشر واضح على انتقال الازمة الى صلب الامن الغذائي.
خلف افران الخبز، تتكشف ملامح ازمة اعمق من مجرد ارتفاع الاسعار، فالرغيف الذي لطالما شكل احد ابسط احتياجات الحياة اليومية بات اليوم تحت رحمة معادلة معقدة تتحكم فيها كلفة الطاقة وتقلبات الاسواق.
فمن لحظة اشعال الافران وحتى وصول الخبز الى موائد المستهلكين، يتقدم المازوت كعنصر اساسي في كلفة الانتاج وينعكس اي ارتفاع في سعره مباشرة على سعر الرغيف، وقد اضطر أصحاب الأفران الى رفع سعر ربطة الخبز من 65 الف ليرة (0.73 دولارا) الى 75 الفا (0.84 دولارا) في خطوة تعكس ضغط التكاليف المتصاعدة.
ولا يقتصر العبء على كلفة الطاقة فقط بل يمتد الى مختلف عناصر الانتاج من الطحين والسكر الى مواد التغليف ضمن سلسلة مترابطة من الزيادات يصعب فصل حلقاتها عن بعضها.
ورغم هذا الارتفاع، الى ان الاسواق ما زالت قادرة على تامين المواد الاساسية وان بكلفة اعلى في ظل تراجع موجة الهلع والتخزين التي سادت في الايام الاولى من الحرب مما اعاد قدرا من الاستقرار النسبي الى حركة العرض والطلب.
اما الغاز المنزلي الذي شكل في الايام الاولى للحرب احد ابرز مصادر القلق لدى اللبنانيين، فقد بات يسلك اليوم مسارا اكثر استقرارا، حيث أصبحت متوفرة بكميات كافية بعد مرحلة ضغط حادة شهدها السوق بفعل تداخل العوامل المناخية مع تداعيات الحرب وحالة الهلع الاستهلاكي.
وشهدت الايام الاولى للحرب ارتفاعا ملحوظا في استهلاك الغاز المنزلي قبل ان يتراجع تدريجيا مع عودة الهدوء النسبي، حيث انخفض الاستهلاك اليومي من 800-1000 طن في ذروة الازمة الى نحو 500 طن حاليا في مؤشر على استعادة السوق قدرا من التوازن.
وحسب شهود ، فقد ارتفع سعر قنينة الغاز (10 كيلوغرامات) من نحو 10 دولارات قبل الازمة الى ما يقارب 19 دولارا حاليا مما فاقم الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين في ظل تزايد الشكاوى من الغلاء.
في المحصلة، تكشف ازمة الطاقة في لبنان عن مشهد مركب تتداخل فيه تداعيات الحرب مع اختلالات بنيوية عميقة.
فبين امدادات لا تزال صامدة واسعار تتقلب بلا هوادة، يجد اللبنانيون انفسهم امام معادلة يومية قاسية حيث تتحول ابسط مقومات العيش الى عبء متصاعد وتصبح الكهرباء والوقود والخبز مؤشرات مباشرة على حجم الازمة التي تعيد رسم ملامح الحياة في البلاد.







