بدات الحكومة الفرنسية بتنفيذ واحدة من اكبر عمليات التحول التقني في التاريخ الحديث، حيث وضعت باريس جدولا زمنيا صارما لاستبدال نظام التشغيل ويندوز والانظمة البيئية المغلقة لشركة مايكروسوفت بنظام لينكس والحلول مفتوحة المصدر، وذلك وفقا للمذكرة التوجيهية الصادرة عن "المديرية البينية الرقمية للدولة".
اوضحت المديرة العامة للمديرية البينية الرقمية للدولة ستيفاني شيرير ان هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات امنية وقانونية، مبينا ان الهدف الرئيسي منه هو حماية "السيادة الوطنية" من خلال قانون السحابة الامريكي وتجنب "انغلاق المورد".
اشارت تقارير وكالة امن نظم المعلومات الفرنسية الى ان القوانين الامريكية تسمح للسلطات في واشنطن بالوصول الى البيانات المخزنة لدى الشركات الامريكية حتى لو كانت تلك البيانات على خوادم داخل الاراضي الفرنسية، وهذا يمثل ثغرة امنية لا يمكن للحكومة الفرنسية التغافل عنها في قطاعات حساسة مثل الدفاع والمالية.
نقلت صحيفة لوموند الفرنسية عن خبراء في وزارة الاقتصاد ان فرنسا تدفع سنويا مئات الملايين من الدولارات كتكاليف تراخيص لشركة مايكروسوفت، وهو ما يجعل الدولة رهينة لسياسات التسعير والتحديث التي تفرضها شركة واحدة.
الانتقال من بيئة ويندوز الى لينكس ليس مجرد تغيير واجهة مستخدم، بل هو تغيير جذري في البنية التحتية، حيث يركز التقرير التقني المرفق بقرار الحكومة على 3 ركائز اساسية هي توزيعة لينكس السيادية، والحاويات والويب، والتحول نحو لاسويت نوميريك.
تعتمد فرنسا بشكل كبير على تجربة جيندبونتو، وهي نسخة مخصصة من توزيعة اوبونتو طورها الدرك الوطني الفرنسي، وقد اثبتت احصائيات وزارة الداخلية ان هذه التوزيعة نجحت في تشغيل اكثر من 80 الف جهاز بكفاءة تقنية تفوق الانظمة المغلقة بنسبة 25% من حيث استهلاك الموارد.
للتغلب على مشكلة التطبيقات القديمة والتي لا تعمل الا على ويندوز، بدات الوكالات التقنية في استخدام تقنيات مثل دوكر وكوبيرنيتيس لتشغيل تلك التطبيقات داخل بيئات معزولة، او تحويلها الى تطبيقات ويب يمكن الوصول اليها عبر اي متصفح امن.
اطلقت الحكومة الفرنسية حزمة برمجية شاملة مفتوحة المصدر تشمل بدائل لبرامج مايكروسوفت الشهيرة مثل وورد واكسيل وتيمز، معتمدة على منصات مثل ليبر اوفيس ونيكست كلاود وجيتسي.
وفقا لتقرير صادر عن "مجلس المحاسبة الفرنسي"، فان التكلفة الاولية لتدريب الموظفين واعادة هيكلة الانظمة قد تكون مرتفعة، لكن العائد على الاستثمار سيتحقق خلال 4 سنوات فقط، حيث تشير التقديرات الى ان الغاء تراخيص خدمة "مايكروسوفت 365" سيوفر ما يعادل 120 يورو لكل موظف سنويا.
باعتبار ان عدد الموظفين الحكوميين المستهدفين يصل الى 2.5 مليون موظف، فان الوفر الاجمالي قد يتجاوز 300 مليون يورو سنويا.
اضافة لذلك، سيؤدي هذا التغيير الى دعم الاقتصاد المحلي، فبدلا من ارسال الاموال الى مايكروسوفت، سيتم توجيه هذه الميزانيات لشركات تقنية فرنسية واوروبية متخصصة في دعم وصيانة الانظمة مفتوحة المصدر، مما يخلق الاف فرص العمل المحلية.
حددت الحكومة الفرنسية خريف هذا العام كـ"نقطة اللاعودة"، وبحسب وثيقة "استراتيجية التحول الرقمي 2026-2030" تكون المراحل كالتالي: المرحلة الاولى من ابريل الى سبتمبر 2026 لجرد كافة البرمجيات غير المتوافقة ووضع خطط الهجرة التقنية، والمرحلة الثانية عام 2027 للبدء في تعميم انظمة لينكس على وزارات التعليم والصحة والعدل، والمرحلة الثالثة عام 2028 لاستكمال التحول في القطاعات السيادية.
ترى الحكومة ان التحدي الاكبر يكمن في "المقاومة الثقافية" للمستخدمين الذين اعتادوا على واجهة ويندوز لعقود، لذا خصصت الحكومة ميزانية قدرها 50 مليون يورو لبرامج التدريب والدعم التقني المباشر للموظفين.
يرى مراقبون ان نجاح فرنسا قد يشجع المانيا، التي بدات بالفعل تجارب مماثلة في ولاية "شليسفيغ هولشتاين"، على اتخاذ قرارات مماثلة، كما يرون ان هذا الامر اصبح معركة لا تتعلق فقط بنظام تشغيل، بل بالقدرة على التحكم في "المستقبل الرقمي" باوروبا في مواجهة هيمنة شركات التكنولوجيا الامريكية الكبرى.







