تتحرك اسواق النفط اليوم على وقع تطور حاسم يتمثل في تهديد دونالد ترمب بفرض حصار بحري على ايران، وذلك عقب تعثر المباحثات الاخيرة.
لم يعد التهديد بالحصار البحري مجرد تصعيد سياسي، بل تحول الى متغير مباشر في تسعير الطاقة، مع انتقال السوق من ترقب نتائج التفاوض الى تقدير الكلفة المالية للمخاطر الميدانية المتعلقة بحركة السفن داخل مضيق هرمز.
جاءت الاستجابة فورية، اذ قفزت اسعار النفط باكثر من 8% لتتجاوز 100 دولار للبرميل، مع صعود خام برنت الى نحو 102 دولار، وارتفاع الخام الاميركي الى حدود 104 دولارات، وفق بيانات حديثة نقلتها رويترز.
يمر نحو خمس امدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، مما يجعل اي اضطراب فيه ذا اثر مباشر وفوري على السوق.
في هذا السياق، لم تعد الاسعار تقرا كرقم مجرد، بل كترجمة لاحتمالات مفتوحة، هل سيبقى المضيق مفتوحا؟ ام سيعمل تحت ضغط؟ ام سيتحول الى نقطة اختناق فعلي للامدادات؟
قال الرئيس دونالد ترمب امس الاحد، ان البحرية الامريكية ستبدا بفرض السيطرة على مضيق هرمز، مما يزيد حدة التوتر بعد فشل المحادثات المطولة مع ايران في التوصل الى اتفاق لانهاء الحرب، وهو ما قد يعرض وقف اطلاق النار الهش الذي يستمر اسبوعين للخطر.
ضمن هذا المشهد، قدم الخبير النفطي عامر الشوبكي، في تصريحات للجزيرة نت، قراءة تقسم مسار السوق الى ثلاثة سيناريوهات واضحة، ترتبط بشكل مباشر بكيفية تنفيذ التهديد الاميركي وطبيعة رد الفعل الايراني.
- السيناريو الاول (اغلاق كامل): وهو الاخطر، يقوم على استهداف ايران للسفن التي تمر دون تنسيق معها، بالتوازي مع تطبيق الحصار الاميركي.
هنا يتحول المضيق الى منطقة اشتباك، ويتجه فعليا نحو اغلاق كامل، ليس بقرار احادي بل نتيجة تضاد في القيود المفروضة على الملاحة.
في هذا المسار، يرجح الشوبكي ان تفقد السوق جزءا كبيرا من الامدادات، مع امكانية تجاوز اسعار برنت مستوى 150 دولارا للبرميل، خصوصا في ظل انتقال الضغط الى السوق الفعلية وشح البراميل القابلة للتسليم.
- السيناريو الثاني (تعطل جزئي): وهو الاقرب للواقع الحالي، ويقوم على تعطيل جزئي دون اغلاق كامل، بحيث يبقى المضيق مفتوحا شكليا لكنه يعمل تحت تهديد مستمر.
هذا يؤدي الى تراجع حركة الناقلات وارتفاع كلفة التامين، مع بقاء السوق في حالة شد دائم.
تدعم هذا الاتجاه مؤشرات ميدانية، اذ تشير تقارير حديثة لرويترز الى ان بعض الناقلات بدات بالفعل تجنب المرور او اعادة تقييم مساراتها في ظل تصاعد المخاطر.
- السيناريو الثالث (انفراجة ): وهو الاقل خطورة، يفترض ان تتمكن الولايات المتحدة من فرض عبور امن دون ان تقدم ايران على استهداف السفن، سواء لعوامل عملياتية او لتجنب تصعيد اوسع.
في هذه الحالة، قد تبدا الاسواق في التقاط اشارة انفراج تدريجي، مع تراجع جزئي في علاوة المخاطر، لكن دون عودة كاملة الى مستويات ما قبل الازمة.
في موازاة هذه السيناريوهات، تبرز زاوية اخرى تتعلق بمحاولات ايران اعادة تشكيل قواعد المرور في المضيق، وفي هذا الاطار، يقول خبير شؤون الطاقة هاشم عقل في حديث للجزيرة نت، ان طرح فرض رسوم عبور على السفن، خاصة ناقلات النفط، عاد الى الواجهة كجزء من شروط محتملة لاعادة فتح المضيق، مع تقديرات تتراوح بين دولار الى دولارين للبرميل، او ما يعادل نحو 1-2 مليون دولار للناقلة الكبيرة.
يشير عقل الى ان هذا الطرح، رغم ما يثيره من جدل قانوني دولي، يبقى تاثيره المباشر على الاسعار محدودا من ناحية التكلفة، اذ قد يضيف نحو 1-2 دولار فقط للبرميل في حال تمريره الى السوق.
الا ان الاثر الاهم، بحسب تقديره، لا يكمن في الرسوم نفسها، بل في "علاوة المخاطر" (تكلفة اضافية لتغطية احتمالات التهديد)، حيث قد تضيف التوترات المرتبطة بالمضيق ما بين 5 الى 15 دولارا للبرميل نتيجة ارتفاع تكاليف التامين وتباطؤ الملاحة.
يضيف ان العبء الاكبر سيقع على الدول المصدرة عبر المضيق، لا سيما الخليجية، بحكم اعتمادها الكبير على هذا المسار، في حين يبقى تاثيره على المستهلك النهائي محدودا ما لم يتطور الى تعطيل فعلي او حصار شامل.
كما ان استمرار هذه الترتيبات -في حال تطبيقها- قد يدفع على المدى الاطول الى البحث عن بدائل لوجستية، رغم محدوديتها وكلفتها المرتفعة، يضيف هشام عقل.
يتحدد اتجاه السوق حاليا وفق حالة المضيق، بين تدفقات مضغوطة واحتمالات تعطل اوسع.
في هذا السياق، يضيف مدير مركز معلومات ودراسات الطاقة مصطفى البزركان في حديث للجزيرة نت، بعدا كميا لقراءة السوق، معتبرا ان العامل الحاسم لا يكمن في فشل المفاوضات بحد ذاته، بل في استمرار اغلاق مضيق هرمز، بما يعني بقاء انقطاع نحو 12 مليون برميل يوميا من النفط الخام، اضافة الى حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال ومشتقات الوقود.
يشير هذا التقدير الى ان الصدمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد الى مجمل منظومة الطاقة، وهو ما ينعكس على كلفة النقل والانتاج عالميا ويعزز الضغوط التضخمية.
في هذا الاطار، يتوقع البزركان استمرار الاسعار فوق 100 دولار للبرميل، مع ميل نحو مزيد من الصعود طالما بقيت التدفقات معطلة او غير مستقرة.
كما يلفت البزركان الى ظاهرة لافتة في السوق الحالية، تتمثل في تفوق النفط الاميركي على خام برنت في بعض الفترات، نتيجة توجه المتعاملين نحو العقود الاقرب استحقاقا، في ظل الحاجة الى براميل قابلة للتسليم الفوري، وهو ما يعكس تحول مركز الثقل من "السعر المرجعي" الى "البرميل المتاح".
لكن ما يميز اللحظة الحالية هو ان توقعات المؤسسات الكبرى لم تعد كافية وحدها لقراءة السوق، بل اصبحت تمثل خطا اساسيا تقاس عليه المخاطر.
بحسب احدث التقديرات، ابقى غولدمان ساكس على توقعاته الاساسية لاسعار برنت قرب 90 دولارا، مع تحذير واضح من ان السيناريو الحاد قد يدفع الاسعار الى نحو 115 دولارا او اكثر في حال استمرار تعطل الامدادات.
يرى بنك باركليز ان متوسط 2026 البالغ 85 دولارا للبرميل يبقى مرهونا بعودة تدفقات هرمز، محذرا من مخاطر صعودية اذا استمر التعطيل او تاخر التعافي.
في اتجاه مماثل، رفعت مؤسسات مالية اخرى تقديراتها السنوية الى نطاق 80-85 دولارا، مع تاكيد ان اي اضطراب طويل في المضيق كفيل بدفع الاسعار فوق هذه المستويات بشكل ملموس.
في المحصلة، لا تتحرك اسعار النفط اليوم وفق مسار تفاوضي تقليدي، بل وفق معادلة ميدانية واضحة، هل تمر السفن ام لا، وكيف تمر؟ وبين انفراج محتمل وتعطيل مستمر وتصعيد مفتوح، يبقى مضيق هرمز العامل الوحيد القادر على نقل السوق من مستوى 100 دولار الى مستويات اعلى بكثير، او اعادة ضبطها في الاتجاه المعاكس خلال وقت قصير.







