كشفت الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران عن تحول حاد في سلوك اسواق النفط، حيث تزامن التصعيد مع اتساع فجوة في الية التسعير.
اوضحت البيانات الصادرة عن وكالة رويترز ان خام برنت المؤرخ سجل ارتفاعا الى 132.74 دولارا للبرميل، بينما بقيت عقود برنت الاجلة قرب 99.36 دولارا، مما يعكس تباينا بين سوق تعكس وفرة السيولة واخرى تحكمها قيود الوصول الى الامدادات.
بينت التقارير ان التباين لا يقتصر على حركة الاسعار، بل يعكس تسعيرا مزدوجا يتشكل تحت الضغط، حيث تتحرك الاسواق المالية وفق توقعات التوازن المستقبلي، بينما تتحدد السوق الفعلية وفق قدرة البراميل على العبور عبر سلاسل امداد متوترة.
مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز وارتفاع كلفة النقل والتامين، برزت السوق الفورية كمراة مباشرة للندرة الانية، في مقابل سوق اجلة تعكس قراءة مؤجلة لمسار الامدادات.
ارتبط هذا التباعد مباشرة بتفاعلات الحرب في محيط مضيق هرمز، حيث تحولت القيود الجيوسياسية الى عنصر مؤثر في بنية التسعير نفسها.
مع تصاعد التوتر وتزايد المخاطر على حركة الناقلات وارتفاع اقساط التامين، اصبحت القدرة على نقل النفط وتامينه محددا رئيسيا لقيمة الخام، وفق ما اشارت اليه تقارير عديدة.
في هذا السياق، استمرت الاسواق في تسعير النفط وفق منظور استشرافي يستند الى احتمالات التهدئة واعادة التوازن، مما ابقى العقود الاجلة ضمن نطاقات اكثر احتواء مع تفاعلها السريع مع الاشارات السياسية بحسب خبراء.
بالمقابل، عكست السوق الفورية ضغوطا مباشرة نتيجة تنافس المشترين على الشحنات القابلة للتسليم القريب في ظل قيود لوجستية مشددة.
اوضح رئيس قسم الطاقة في ستاندرد اند بورز غلوبال ديف ارنسبرغر، خلال مشاركته في مؤتمر سيرا ويك للطاقة، ان تسعير العقود الاجلة اصبح منفصلا الى حد كبير عن البراميل الفورية، سواء من حيث التوقيت او الواقع المادي، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين سوق تعكس التوقعات وسوق تحكمها القيود الفعلية للامدادات.
يرى مراقبون ان هذا التباين يمكن تفسيره عبر ثلاثة مسارات رئيسية تتعلق ببنية السوق وسلوك المتعاملين.
- المسار الاول يرتبط بالفجوة الزمنية في العقود، اذ كانت العقود الاكثر تداولا خلال الازمة تشير الى تسليم بعد اسابيع، مما يجعلها تسعر توازنا متوقعا، في وقت كانت فيه السوق الفورية تتفاعل مع صدمة انية فرضتها قيود النقل والتامين.
- المسار الثاني يتصل بسلوك المتعاملين تحت ضغط التقلبات، حيث دفعت المخاطر المرتفعة وتكاليف الهامش الى تقليص حجم هذه المخاطر.
بين ايليا بوشويف، الشريك الاداري في شركة بنتاثلون للاستثمارات، في حديثه لصحيفة وول ستريت جورنال ان المتعاملين الذين توقعوا استمرار شح المعروض تجنبوا بناء مراكز كبيرة نظرا لارتفاع درجة عدم اليقين، مما جعل الاسعار الاجلة تعكس ادارة للمخاطر اكثر من تعبيرها عن اتجاه السوق.
- المسار الثالث يتعلق باختلاف بنية التوازن بين السوقين، اذ اتسمت السوق الفورية بضغط طلب واضح على البراميل القابلة للتسليم مقابل معروض مقيد جغرافيا، في حين حافظت السوق الاجلة على قدر من التوازن بفعل نشاط التحوط، مع اتجاه المنتجين الى بيع جزء من انتاجهم المستقبلي، الى جانب تدفقات مرتبطة بادارة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الامريكي، مما عزز جانب العرض في السوق المالية.
في الظروف الاعتيادية، تسهم عمليات التحكيم في تقليص الفجوات بين السوقين، الا ان الحرب اضعفت هذه الالية نتيجة القيود المفروضة على حركة النفط، فقد ادت مخاطر الشحن وارتفاع تكاليف التامين الى ابطاء تدفقات الخام بين المناطق، مما حد من قدرة السوق على اعادة التوازن.
في هذه البيئة، اصبحت بعض الامدادات المتاحة نظريا غير قابلة للوصول ضمن الاطار الزمني المطلوب، مما قيد فعالية التحكيم، ونتيجة لذلك، تحول التسعير تدريجيا ليعكس قيود النقل والمخاطر الجيوسياسية بدل ان يقتصر على كفاءة السوق المالية.
تستند هذه التطورات الى مسار طويل من التحولات، حيث ادى توسع اسواق المشتقات منذ ثمانينيات القرن الماضي الى ترسيخ دور النفط كاصل مالي، مع انتقال مركز الثقل نحو منصات التداول مثل انتركونتيننتال اكستشينج ونايمكس.
عزز هذا التحول السيولة، لكنه عمق الفجوة بين التسعير المالي والواقع الفعلي، خاصة مع اعتماد المؤشرات المرجعية على نطاق محدود من سوق النفط الحقيقي، وقد ظهرت اشارات مبكرة لهذا الاختلال خلال جائحة عام 2020 وحرب اوكرانيا، الا ان حرب على ايران جمعت بين تعطل سلاسل الامداد واستمرار السيولة وتصاعد المخاطر، مما ادى الى تعميق هذا التباعد.
يحمل هذا التباين انعكاسات تتجاوز لحظة الحرب، اذ يحد من قدرة المؤشرات المرجعية على عكس اوضاع السوق الفورية بدقة، ويزيد من تعقيد استراتيجيات التحوط نتيجة ارتفاع مخاطر الفروق السعرية، كما يعزز دور العوامل الجيوسياسية داخل عملية التسعير بدلا من بقائها عوامل خارجية.
في هذا السياق، تواجه شركات الطاقة بيئة تسعير مزدوج، حيث تستند قرارات الاستثمار الى الاسعار الاجلة، بينما تتاثر التدفقات النقدية بالاسعار الفعلية المرتفعة، مما يضيف مزيدا من التعقيد الى ادارة راس المال.
تعكس هذه التطورات تزايد اهمية العوامل اللوجستية والجيوسياسية في تحديد سعر النفط.
في ظل سوق تعكس فيها العقود الاجلة التوقعات، بينما تعكس السوق الفعلية قيود الوصول، يبرز تساؤل حول المصدر الحقيقي لتسعير النفط.
هل ما يزال النفط يسعر في البورصات ام عند المضائق والممرات التي تتحكم في حركة الامدادات؟







