اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

السندات القصيرة الاجل ترفع مخاطر الدين مع تصاعد تكلفة الحرب

{title}

تشهد الاقتصادات الكبرى مرحلة مالية تتسم بالهشاشة، وذلك مع ازدياد تكلفة الحروب وتأثيرها على الموازنات العامة، بينما تعيد صدمات الطاقة والتضخم تشكيل خريطة الاقتراض السيادي عالميا.

في ظل ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التمويل، لجأت حكومات عديدة إلى زيادة إصدار السندات قصيرة الأجل، معتبرة إياها خيارا سريعا لتخفيف أعباء الفائدة، وإن كان ذلك على حساب زيادة المخاطر المستقبلية المرتبطة بإعادة التمويل.

قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا إن البنك قد يتمكن من تعبئة ما بين 80 و100 مليار دولار لتمويل الدول الأكثر تضررا من تداعيات الحروب خلال 15 شهرا، وهو ما يفوق التمويل الذي قدم أثناء جائحة كورونا.

حذر صندوق النقد الدولي من أن صدمة الحروب خفضت توقعات النمو العالمي، مع توقع ارتفاع الطلب على الدعم المالي الدولي إلى نحو 50 مليار دولار، في ظل اضطراب إمدادات الطاقة.

تأتي هذه التطورات في سياق ضغوط متراكمة على المالية العامة، خاصة مع ارتفاع الدين العالمي بنحو 29 تريليون دولار بحلول عام 2025 ليصل إلى مستوى قياسي عند 348 تريليون دولار، بينما تستمر الحكومات في زيادة الاقتراض لتمويل الإنفاق الدفاعي والطاقة وتعويضات الأزمات، بالتوازي مع تراجع فعالية أدوات ضبط الدين التقليدية.

ترتبط هذه الديناميكيات بتداعيات الحروب، التي أعادت إشعال المخاوف التضخمية ودفعت عوائد السندات إلى الارتفاع، خاصة في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، حيث سجلت تكاليف الاقتراض مستويات هي الأعلى منذ سنوات، بينما بلغت عوائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية.

هذا الارتفاع في كلفة التمويل طويل الأجل دفع الحكومات لتعديل إستراتيجياتها التمويلية عبر تقليص الاعتماد على السندات طويلة الأجل والتوسع في الإصدارات قصيرة الأجل، مستفيدة من انخفاض عوائدها النسبية وسرعة تجديدها.

يقول الخبير الاقتصادي حسام عايش إن السندات قصيرة الأجل تمنح الحكومات مرونة أعلى في إدارة الدين، إذ تسمح بتغطية النفقات الطارئة المرتبطة بالحرب، مثل ارتفاع كلفة الطاقة والغذاء والإنفاق العسكري، دون الارتباط بفوائد مرتفعة لفترات طويلة.

أضاف عايش أن هذه السندات تستخدم أداة مرحلية في بيئة تتسم بعدم اليقين، إذ تفضل الحكومات تأجيل تثبيت الكلفة المرتفعة، بانتظار تحسن الظروف أو استقرار أسعار الفائدة، مما يجعلها خيارا مفضلا في الأجل القصير.

يظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من الاقتصادات، إذ خفضت الهند حصة السندات فائقة الطول (30-50 عاما) إلى نحو 24.9% من برنامج الاقتراض، مقابل 35% سابقا، في حين رفعت الاعتماد على أدوات أقصر أجلا، بما في ذلك أذونات الخزانة التي بلغت 2.88 تريليون روبية (34.7 مليار دولار) في الربع الأول، في محاولة لاحتواء أثر ارتفاع العوائد وتقلبات السوق المرتبطة بالحرب.

غير أن هذا التوجه لا يعكس تحسنا في أوضاع المالية العامة، بل يعكس في جوهره ترحيل الضغوط إلى المستقبل، فالتوسع في السندات قصيرة الأجل يعني زيادة وتيرة استحقاق الدين، مما يفرض على الحكومات إعادة تمويله بشكل متكرر ويجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق.

تتزامن هذه المخاطر مع مستويات دين مرتفعة بالأساس، إذ يعادل الدين الحكومي أو يتجاوز الناتج المحلي في معظم دول مجموعة السبع، مثل الولايات المتحدة (نحو 120%) وإيطاليا (135%) وفرنسا (110%)، في حين تمثل ألمانيا الاستثناء الوحيد بدين يدور حول 60% من الناتج، بينما تتصدر اليابان المشهد بدين يتجاوز 250% من حجم اقتصادها.

يوضح عايش أن الاعتماد المتزايد على السندات القصيرة لا يلغي كلفة الدين بل يعيد توزيعها زمنيا، مشيرا إلى أن الحكومات قد تضطر إلى الاقتراض مجددا لسداد ديون قائمة، مما يؤدي إلى تسارع نمو المديونية وارتفاع كلفة خدمتها.

يضيف عايش أن هذه الديناميكية ترتبط أيضا بتراجع الإيرادات في ظل تباطؤ النمو، وهو ما يوسع فجوة العجز ويجعل الاقتراض خيارا شبه دائم، خاصة في الاقتصادات التي تواجه ضغوطا مزدوجة من الإنفاق العسكري والتضخم.

يوضح أستاذ الاقتصاد المشارك في الجامعة الاردنية رعد التل أن هذا التحول يعكس أيضا طبيعة السوق، إذ إن السيولة باتت متوفرة بشكل أكبر لدى مستثمرين يفضلون الأدوات قصيرة الأجل، مما يجعل هذا الخيار أكثر توافقا مع الطلب الاستثماري، إلى جانب كونه يمنح الحكومات مرونة لإعادة التمويل لاحقا.

يشير التل إلى أن هذه السندات تحمل تكلفة اقتصادية أعلى على المدى المتوسط، لأنها تزيد من مخاطر إعادة التمويل وتجعل الدين أكثر حساسية للتقلبات النقدية، موضحا أن الحكومات تنتقل من تثبيت كلفة الدين إلى إعادة تسعيره بشكل مستمر، وهو ما يرفع مدفوعات الفائدة بسرعة في بيئة نقدية مشددة.

على المستوى الداخلي، لا تقتصر تداعيات هذا التحول على الموازنات، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج والتوظيف والاستثمار)، فارتفاع مدفوعات الفائدة يزاحم الإنفاق العام ويحد من قدرة الحكومات على تمويل الاستثمارات والخدمات.

يحذر التل من أن هذا النمط من التمويل يعزز تقلب الأسواق المالية ويرفع الطلب على السيولة ويؤدي إلى ضغوط إضافية على أسعار الفائدة ويخلق حالة من المزاحمة مع القطاع الخاص، تنعكس سلبا على الاستثمار والنمو.

أظهرت البيانات أن مدفوعات الفائدة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجاوزت بالفعل الإنفاق الدفاعي في 2024، في مؤشر على تصاعد عبء خدمة الدين مقارنة ببنود الإنفاق الأخرى.

في أسوأ السيناريوهات، قد تواجه بعض الدول صعوبة في خدمة ديونها إذا استمرت العوائد في الارتفاع، خاصة مع تراجع الطلب على السندات طويلة الأجل من قبل مستثمرين تقليديين مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين.

كما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد، وهو ما ينعكس في تباطؤ الاستثمار والنشاط الاقتصادي ويعزز مخاطر الدخول في حالة ركود تضخمي، حيث يتزامن ضعف النمو مع استمرار الضغوط السعرية.

على الصعيد العالمي، يساهم هذا التحول في تسريع وتيرة تراكم الديون، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث طبيعة المخاطر المرتبطة بها، فمع زيادة الاعتماد على التمويل قصير الأجل، تصبح الأسواق أكثر حساسية لأي تغير في أسعار الفائدة أو ثقة المستثمرين.

تواجه الدول النامية تحديا أكبر، إذ تحتاج إلى إعادة تمويل أكثر من 9 تريليونات دولار العام الجاري، في ظل تقلبات السيولة العالمية وارتفاع كلفة الاقتراض، مما يرفع احتمالات التعثر أو الأزمات المالية في الاقتصادات الهشة.

ارتفاع علاوة المخاطر على السندات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، يعكس تزايد قلق المستثمرين من استدامة الدين العام ويمتد أثره إلى بقية الأسواق عبر قنوات التمويل والتدفقات الرأسمالية.

يؤكد التل أن التوسع في السندات قصيرة الأجل يسرع وتيرة نمو الدين العالمي ويرفع المخاطر النظامية نتيجة زيادة الاعتماد على إعادة التمويل، مما يجعل النظام المالي أكثر عرضة للصدمات.

يخلص عايش إلى أن هذا النمط من التمويل قد يكون مناسبا في الأجل القصير، لكنه يحمل كلفة تراكمية على المدى المتوسط والطويل، محذرا من أن استمرار الاعتماد عليه، في ظل بيئة عالمية مضطربة، قد يسرع وتيرة تضخم الدين العالمي ويزيد احتمالات أزمات مالية، خصوصا في الدول الأكثر هشاشة.

بينما تحاول الحكومات احتواء صدمة الحرب عبر أدوات دين أكثر مرونة، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الخروج من دائرة الاقتراض المتكرر، في عالم لم يعد يسمح بتمويل رخيص أو هامش واسع للمناورة المالية.