قبل نحو 20 دقيقة من إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز بات مفتوحا أمام السفن التجارية، شهد سوق النفط رهانات خاطفة وكبيرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران.
أفادت رويترز نقلا عن مجموعة بورصات لندن أن مستثمرين باعوا في دقيقة واحدة 7990 عقدا آجلا لخام برنت بقيمة تقارب 760 مليون دولار، وذلك قبل أن يهبط النفط خلال دقائق بنسبة تصل إلى 11% بعد الإعلان الإيراني.
في الظروف العادية، يمكن اعتبار هذه الحركة صفقة كبيرة استبقت مزاج السوق، لكن في سوق مضطربة تحركها التغريدات السياسية والتسريبات الدبلوماسية وتطورات الحرب، تبدو المسألة أكبر من مجرد توقع ناجح.
أعادت الصفقة الجديدة إلى الواجهة تساؤلا متكررا: هل يقرأ بعض المتعاملين المشهد أسرع من غيرهم، أم أن بعضهم يحصل على المعلومة قبل أن تصبح عامة؟
هذه ليست المرة الأولى التي يسبق فيها المال الإعلان السياسي، ففي 7 أبريل/نيسان، وقبل ساعات من إعلان وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين أمريكا وإيران، وُضعت رهانات هبوطية على النفط بقيمة تقارب 950 مليون دولار، وذكرت البيانات أنها سبقت تراجعا بنحو 15% في الأسعار.
في رسالة رسمية، قالت السيناتور إليزابيث وارن والسيناتور شيلدون وايتهاوس إن تكرار هذا النمط يثير أسئلة جدية بشأن إساءة استخدام معلومات حكومية غير عامة، وطلبتا من هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية التحقيق في هذه التداولات.
ما يزيد الأمر حساسية هو أن النفط لم يعد يتفاعل فقط مع أساسيات العرض والطلب، بل مع قرارات الحرب نفسها، فكل تحول في موقف ترمب من التصعيد أو التهدئة، وكل إشارة إيرانية بشأن هرمز، وكل تسريب عن هدنة أو صفقة، يمكن أن يمحو أو يخلق مليارات الدولارات في دقائق، وهنا تتعقد مسألة نزاهة التسعير، فالسوق لا تتحرك على وقع بيانات اقتصادية فقط، بل على وقع قرار سياسي قد يعرفه عدد محدود من الأشخاص قبل الآخرين بدقائق أو ساعات.
بالمعنى العملي، فإن الرهان على هبوط النفط قبل إعلان هرمز لم يكن مجرد تحرك على خبر متوقع، بل تموضعا مباشرا أمام واحد من أكثر القرارات حساسية في السوق العالمية، فإعادة فتح المضيق، ولو مؤقتا، تعني تخفيف الضغط عن ممر كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط العالمية، كما تعني تراجعا فوريا في علاوة الخطر الجيوسياسي التي رفعت الأسعار طوال الأسابيع الماضية.
لهذا لم يكن هبوط النفط بعد الإعلان مفاجئا بحد ذاته، لكن اللافت هو توقيت الرهان عليه وحجمه.
أشارت بلومبيرغ في وقت سابق إلى أن هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية فتحت بالفعل تحقيقا في سلسلة من التداولات شديدة التوقيت التي سبقت انعطافات سياسية للرئيس الأمريكي في حرب إيران.
لا يقتصر التحقيق على واقعة واحدة، بل يشمل أكثر من محطة تحركت فيها السوق قبل الإعلان العلني بوقت قصير، على نحو يدفع المنظمين إلى التساؤل عما إذا كانت السوق قد تعرضت لتسريب معلومات حساسة من داخل دوائر القرار.
أما وول ستريت جورنال، فوسعت الصورة أبعد من سوق النفط، مشيرة إلى أن ما جرى في الأشهر الأخيرة ليس حادثة منفصلة، بل جزء من نمط أوسع من التداولات الدقيقة التوقيت قبل مفاجآت سياسية كبرى لترمب، سواء في ملف إيران أو الرسوم الجمركية أو حتى منصات التنبؤ المرتبطة بتحركات عسكرية، وبذلك، لم تعد الشبهة محصورة في خام برنت أو غرب تكساس، بل في كيفية تسرب الإشارات السياسية إلى دوائر المال قبل أن تصل إلى الجمهور.
حتى الآن، لا يوجد دليل علني يثبت أن متعاملين بعينهم كانوا يملكون معلومة داخلية، ولا أن أحدا داخل الإدارة الأمريكية أو خارجها سرّب قرارا بعينه، لكن مجرد تكرار الظاهرة يكفي لطرح أسئلة ثقيلة على المؤسسات الرقابية، فالسوق، في جوهرها، تقوم على تكافؤ الوصول إلى المعلومة العامة، وإذا تحولت القرارات الحربية إلى فرصة منظمة لمن يعرف قبل غيره، فإن الثمن لا يدفعه فقط من خسر صفقة، بل أيضا الثقة في عدالة التسعير نفسه.
المفارقة أن هذه الشبهات تنفجر في لحظة صار فيها النفط نفسه مرآة مباشرة للحرب، فالأسعار لم تعد تعكس فقط حجم الخام المتاح، بل أيضا احتمال إغلاق هرمز، أو عودة العبور، أو نجاح هدنة، أو انهيار مفاوضات، وفي مثل هذه البيئة، يمكن لمن يلتقط الإشارة الصحيحة قبل الآخرين بدقائق أن يحقق مكاسب ضخمة، تماما كما يمكن لقرار سياسي واحد أن يعيد رسم الأسعار عالميا في جلسة واحدة.

