قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، إن المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة هو "صدمة متعددة الأبعاد". وأضاف أن الحرب الحالية تعتبر زلزالاً لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، حيث أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم. وأوضح أن الحرب لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية.
أكد أزعور أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط. وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" توقعات نمو دول الخليج لعام 2026 بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة.
أوضح أزعور أن البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. كما تواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة، بينما تواجه سلطنة عمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز. وأكد أن السعودية في مقدمة الدول التي ستُحقق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة بفضل أنابيب النفط البديلة.
أضاف أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي أن الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية. وأوضح أن المملكة نجحت في بناء "مصدات" مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات "رؤية 2030" وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.
بين أزعور أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ"مرساة" متوسطة المدى، مشيراً إلى أن عملية "إعادة ترتيب أولويات المشاريع" هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية. وشدد على أن الهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ"رؤية 2030" في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف.
أوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب "القطاع الحقيقي". كما سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً وتضررت ثقة قطاع الأعمال.
عند الحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح "السيناريو المرجعي" الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام. ومع ذلك، حذر من سيناريو "أكثر تعقيداً" قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مما سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري لبعض الدول.
شرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج في تأمين الطاقة. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى "كارثة أمن غذائي" للدول الهشة.
أوضح أزعور أن "مساحة المناورة" أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة، مشيراً إلى ضرورة "المعايرة" الدقيقة للسياسات. وشدد على أهمية الحفاظ على "تشديد نقدي" لمحاربة التضخم. ورأى أن هذه الأزمة يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة.
أشار أزعور إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار لضمان عدم بقاء لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية. أكد أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات، بل ببناء "مخففات صدمات" هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية.

