سلطت شركة بالانتير الامريكية المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري الضوء مجددا على الكتاب الذي الفه رئيسها التنفيذي في العام الماضي. وذلك عبر نشر بيان من 22 نقطة تلخص ابرز ما ورد في الكتاب الذي ينتقد سياسة شركات وادي السيليكون. مما اعاد الى الواجهة الجدل الكبير الذي دار حول ذلك الكتاب سواء بالاشادات التي نالها او بالانتقادات الحادة التي قوبل بها.
وقد جمع المنشور حتى الآن اكثر من 21 مليون مشاهدة رغم كون الكتاب صدر العام الماضي. وهو من تأليف اليكس كارب الرئيس التنفيذي للشركة ونيكولاس زاميسكا رئيس شؤون الشركة.
واثار الكتاب ايوان صدوره حفيظة كثير من خبراء التقنية والشخصيات البارزة في وادي السيليكون. اذ وصفه تقرير سابق في وكالة بلومبيرغ الامريكية بأنه كتاب مليء بالافكار السيئة التي تتراوح بين المشكوك فيها والمقيتة والمقلقة فضلا عن كونه ينذر بمستقبل مظلم ومحبط للغاية.
وبينما لا يجيب منشور بالانتير على كثير من الانتقادات الموجهة اليها في الآونة الاخيرة سواء بسبب استخدام تقنياتها مع وكالة انفاذ قوانين الهجرة والجمارك الامريكية بشكل مثير للقلق او معاونتها الجيش الاسرائيلي في الحرب على غزة. فإنه يبرر بعض هذه التصرفات فيما يصفه ردا على كثير من الاسئلة التي وصلت الى الشركة.
ويؤكد بيان بالانتير. الذي وصفه موقع انغادجيت التقني الامريكي بأنه يبدو وكأنه هذيان شرير في قصة مصورة. ان شركات وادي السيليكون تدين الى الحكومة الامريكية بأكثر من مجرد خدمات بريد الكتروني مجانية. وذلك ان لها الفضل في صعود هذه الشركات الى القمة التي تقف عليها الآن.
ويتطرق المنشور. الذي يبدو بأكمله غريبا ومثيرا للقلق بشدة. بحسب انغادجيت. الى الكثير من النقاط المثيرة للجدل. بدءا من انتقادات واضحة لاهتمام رجل الاعمال والملياردير الامريكي ايلون ماسك بالسياسة العامة وحتى المناقشات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الجيش الامريكي.
وحول هذه النقطة تحديدا. توضح الشركة قائلة: السؤال ليس ما اذا كان سيتم بناء اسلحة بالذكاء الاصطناعي. بل من سيبنيها ولأي غرض. مضيفة ان خصومنا لن يتوقفوا للخوض في نقاشات مسرحية حول هذه التقنية. بل سيواصلون المضي قدما.
وبالمثل. تشير الشركة الى ان العصر الذري يقترب من نهايته. بينما من المقرر ان يبدأ عصر جديد من الردع مبني على الذكاء الاصطناعي.
ولا تتوقف آراء كارب المثيرة للجدل في الكتاب عند هذا الحد. حيث يخصص المنشور. الذي يقتبس من الكتاب. مساحة للتنديد بتحييد المانيا واليابان بعد الحرب. مضيفا ان تجريد المانيا من انيابها كان تصحيحا مبالغا فيه تدفع اوروبا ثمنه باهظا الآن. وان التزاما مسرحيا مشابها ومبالغا فيه بالسلمية اليابانية يمكن ان يهدد بتغيير ميزان القوى في آسيا.
واختتمت بالانتير منشورها المثير للجدل بانتقاد لاذع لسياسة الاغراء السطحي والتعددية الفارغة والجوفاء كما وصفتها. اذ ترى ان الولاء الاعمى للتعددية والشمولية يتجاهل حقيقة التفاوت بين الثقافات. وذلك لان بعض الثقافات قد ابدعت وانتجت العجائب. في حين اثبتت بعض الثقافات الاخرى بانها متخلفة وضارة.
وتدعو بعض النقاط الموجودة في المنشور الى الابتعاد عن النداء الاخلاقي والديمقراطي من اجل تحقيق الانتصارات المرجوة. وبدلا من ذلك التوجه لبناء القوة الصلبة التي تبنى في العصر الحالي عبر البرمجيات بحسب ما جاء في تقرير انغادجيت.
وبعد ان نشرت بالانتير هذا البيان يوم السبت. علق الرئيس التنفيذي لموقع التحقيقات بيلينغكات اليوت هيغينز. بسخرية قائلا انه من الطبيعي والمقبول جدا ان تضع شركة هذا في بيان عام. واعتبر ان المنشور يحمل ابعادا تتجاوز مجرد الدفاع عن الغرب. فهو يرى انه هجوم على ما اعتبره ركائز اساسية للديمقراطية تحتاج الى اعادة بناء: التحقق. والمداولة. والمساءلة.
وكتب هيغينز: من المهم ايضا ان نكون واضحين بشأن من يطرح هذا الجدال. تبيع بالانتير برمجيات تشغيلية لوكالات الدفاع والاستخبارات والهجرة والشرطة. هذه النقاط الـ 22 ليست فلسفة تسبح في الفضاء. بل هي الايديولوجية العامة لشركة تعتمد ايراداتها على السياسات التي تروج لها.
صدر كتاب الجمهورية التكنولوجية للمرة الاولى العام الماضي. وحظي بتغطية واسعة من الصحف العالمية التي تحدثت عن محتوياته بشكل مكثف. ومن بينها موقع وايرد التقني الامريكي الذي اجرى مقابلة مباشرة مع كارب في اعقاب صدور الكتاب.
وأشار تقرير وايرد الى ان البعض يرى كارب كشرير خارج من افلام الخيال العلمي المظلمة. وذلك بفضل تعاونه مع الحكومة الامريكية في اكثر من جانب. بدءا من تطوير منظومة تيسر عمل ادارة انفاذ قوانين الهجرة والجمارك الامريكية بقيمة تتخطى ملايين الدولارات وتعتمد بشكل اساسي على تتبع ومراقبة وجمع البيانات عن المهاجرين الى امريكا. وهي المنظومة التي يسرت تنفيذ خطة الرئيس الامريكي دونالد ترمب في اجلاء المهاجرين. وحتى استخدام تقنيات الشركة في اوكرانيا حيث ساهمت في انفاذ القوة الفتاكة.
وتعرضت بالانتير منذ صدور الكتاب وحتى اليوم للعديد من الانتقادات الواسعة سواء من داخل صفوفها او خارجها. اذ اتهم 13 عاملا سابقا بالشركة في مايو بادارة الشركة بالتخلي عن قيمها الاساسية والتواطؤ في تطبيع الاستبداد تحت ستار الثورة التي تقودها الاوليجارشية.
كما استقال مجموعة من موظفي الشركة ايضا اعتراضا على استخدام تقنياتها من قبل الجيش الاسرائيلي. ولكن يرى كارب ان كل هذه المعارضة دليل واضح على انه يقوم بشيء صحيح. حسب ما جاء في تقرير وايرد.
كما انتقد كارب سابقا شركات التقنية الاستهلاكية مثل غوغل وميتا متهمها بالتركيز على توصيل البيتزا والاعلانات بدلا من الدفاع الوطني. وقال ان التقنية يجب ان تستخدم للحرب والدفاع وليس لتوصيل البيتزا والاعلانات. على حد تعبيره.
وتضمنت تصريحات كارب السابقة انتقادا لاذعا لموظفي غوغل الذين استقالوا احتجاجا على المشاركة في مشروع مافين المتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل عسكري. وهو ما وصفه كارب بكونه تخليا عن الواجب الاخلاقي.
يمكن القول ان التوتر القائم بين بالانتير ورئيسها التنفيذي وبقية شركات وادي السيليكون دفعها لترك وادي السيليكون تماما والانتقال الى مدينة دنفر الامريكية لتصبح اثرى الشركات هناك.
ومن جانبهم. يرى مهندسو ميتا وغوغل ان كتاب اليكس كارب ليس الا محاولة لعسكرة التكنولوجيا بشكل مفرط لتحقيق الاستفادة القصوى من العقود مع الحكومة الامريكية ووزاراتها.
وتعد شركة بالانتير احدى اكبر الشركات التي حققت ارباحا واسعة من الاحداث العسكرية الاخيرة في العالم. اذ تعد المورد الرئيسي لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها وزارة الحرب الامريكية والوكالات الاخرى. وذلك رغم انها ليست من قام بتطوير هذه التقنيات. وانما تطور البرمجيات التي تسهل ربط نماذج الذكاء الاصطناعي الامريكية مباشرة مع انظمة البنتاغون والوكالات الامريكية لضمان سير المعلومات بشكل سري وتحقيق الاستفادة القصوى منها.

