اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

انثروبيك تتحدى البنتاغون في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي

{title}

تعتبر شركة انثروبيك من الشركات الرائدة في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، حيث اشتهرت بتطوير عائلة نماذج "كلود" التي تمثل نواتها التقنية الأساسية. كما تتبنى الشركة مقاربة "الذكاء الاصطناعي الدستوري" لضبط سلوك النماذج وضمان توافقها مع القيم الإنسانية.

برزت انثروبيك كلاعب مؤثر ليس فقط على المستوى التقني، بل أيضا في تقاطع التكنولوجيا مع السياسات العامة، خاصة مع تصاعد التوتر بينها وبين وزارة الحرب الأمريكية على خلفية رفضها توظيف تقنياتها في الاستخدامات العسكرية، وهو ما استدعى تدخلات ومناقشات رفيعة المستوى داخل البيت الأبيض.

تأسست شركة انثروبيك على يد مجموعة من الباحثين السابقين في شركة "أوبن أي آي"، بهدف تأسيس كيان جديد برؤية مختلفة. وقد جاء تأسيس الشركة على يد مجموعة من الأسماء البارزة في المجال، من بينهم داريو أمودي وشقيقته دانيلا أمودي، والفيزيائي النظري جاريد كابلان، والباحث كريس أولاه، الذين سعى هؤلاء إلى تطوير نموذج عمل يوازن بين التقدم التقني والاعتبارات الأخلاقية.

تقوم الفلسفة المؤسسية لشركة انثروبيك على مفهوم "سلامة الذكاء الاصطناعي"، انطلاقا من قناعة بضرورة ضمان توافق أنظمة الذكاء الاصطناعي مع المصالح البشرية ومنع انحرافها نحو استخدامات ضارة. وصاغت الشركة فلسفتها وفق مجموعة من المبادئ التي تقول إنها شكلت إطارها الأخلاقي والاستراتيجي، حيث اعتمدت على هيكل قانوني من نوع "شركة المنفعة العامة" وطورت مقاربة "الذكاء الاصطناعي الدستوري" التي تقوم على تدريب النماذج وفق "دستور" من القيم والمبادئ الأخلاقية الموجهة.

تنطلق رؤية الشركة من مفهوم "إمساك النور والظل"، الذي يعني الموازنة بين إدراك المخاطر الكارثية المحتملة وتسخير فوائد الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه. تطوّر شركة انثروبيك منظومة متكاملة من النماذج اللغوية والتطبيقات الموجهة لبيئات العمل والمطورين، ضمن استراتيجية تستهدف دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات المهنية والتقنية بشكل عملي وآمن.

تُعد عائلة نماذج "كلود" المنتج المحوري للشركة، وهي سلسلة من النماذج اللغوية الضخمة التي شهدت إصدارات عدة متعاقبة مع تنويعات مصممة لتلبية احتياجات مختلفة، مثل "أوبوس" و"سونيت" و"هايكو". وفي سياق توسيع الاستخدام المؤسسي، طورت الشركة أداة "كلود كو-وورك"، وهي منصة موجهة لأتمتة سير العمل داخل المؤسسات، إذ تتيح للذكاء الاصطناعي التعامل مع الملفات عبر قراءتها وتعديلها وإنشائها، بما يدعم تنفيذ مهام متسلسلة في مجالات مثل الموارد البشرية والخدمات المالية والتصميم.

كما أطلقت انثروبيك أداة "كلود كود"، وهي بيئة تطوير تستهدف المبرمجين، وتوفر دعما في كتابة الشيفرات البرمجية وتحليل البيانات والتكامل مع الأنظمة الداخلية للشركات، بما يعزز كفاءة فرق التطوير. في إطار تلبية متطلبات الجهات الرسمية، قدمت الشركة نموذج "كلود غُوف"، وهو إصدار مخصص للاستخدام الحكومي يتميز بامتثال صارم للمعايير التنظيمية ويحتوي على طبقات إضافية من الضبط الأمني والرقابي.

وعلى مستوى البنية التقنية، طرحت الشركة "بروتوكول سياق النموذج"، وهو معيار مفتوح يهدف إلى ربط المساعد الذكي بالأدوات الفعلية وقواعد البيانات داخل بيئات العمل. كما أطلقت مجموعة من الإضافات التي تتيح تخصيص وظائف "كلود" لأدوار محددة، مثل المبيعات والتحليل القانوني ومعالجة البيانات والبحث المؤسسي. أما في مجال الأمن السيبراني، فقد طورت الشركة نموذج "ميثوس"، وهو نظام يتمتع بقدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات الأمنية داخل أنظمة التشغيل.

نظرا لحساسية هذه القدرات، امتنعت انثروبيك عن إتاحته بشكل عام، وبدلا من ذلك أطلقته ضمن مشروع "غلاس سوينغ" الذي يركز على تقييم وتأمين البرمجيات الحيوية بالتعاون مع شركات تقنية كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون، إضافة إلى مؤسسات مالية وحكومية. وفي المجال التعليمي، دخلت الشركة في شراكة مع منظمة "كود باث" بهدف دمج أدواتها ضمن المناهج الجامعية وتوفير تدريب عملي للطلاب، ولا سيما من الفئات ذات الدخل المحدود، على تطوير البرمجيات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات واقعية.

ظهر الخلاف بين شركة انثروبيك ووزارة الحرب الأمريكية بسبب التباين الجوهري بين مقاربة الشركة القائمة على "سلامة الذكاء الاصطناعي" وبين التوجهات العسكرية التي تسعى إلى توظيف هذه التقنيات ضمن الاستخدامات الحربية والأمنية. بدأت الأزمة مع توقيع عقد أولي بين انثروبيك ووزارة الحرب بلغت قيمته نحو 200 مليون دولار، بهدف دمج تقنيات الشركة في أنظمة سرية، إلا أن المفاوضات اللاحقة كشفت عن فجوة عميقة، إذ وضعت الشركة ما وصفته بـ"الخطوط الحمراء" ورفضت منح البنتاغون حق الاستخدام العسكري غير المقيد لنموذجها كلود.

ركز هذا الرفض بشكل خاص على حظر استخدام تقنياتها في تطوير "أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل بالكامل دون إشراف بشري"، إضافة إلى رفض توظيفها في المراقبة الجماعية للمواطنين داخل الولايات المتحدة. تصاعد التوتر في فبراير حين قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بالتعاون مع وزير الحرب، إنهاء العقود المبرمة مع الشركة وقطع العلاقات معها، كما أصدر تعليماته للحكومة الأمريكية "بالتوقف فورا" عن استخدام تقنية انثروبيك.

وجهت الإدارة الأمريكية الوكالات الحكومية إلى التوقف الفوري عن استخدام تقنيات انثروبيك، في خطوة رافقها هجوم سياسي علني على الشركة وقيادتها. لم يقتصر التصعيد على إنهاء التعاقدات، بل امتد إلى إدراج انثروبيك على "القائمة السوداء" وتصنيفها رسميا باعتبارها "خطرا على سلاسل التوريد" يهدد الأمن القومي، وهي خطوة غير معتادة عادة ما تُستخدم بحق شركات أجنبية.

ردت الشركة على هذه الإجراءات عبر مسار قانوني، إذ رفعت دعاوى قضائية أمام محكمة فدرالية ضد إدارة ترمب ووزارة الحرب، واعتبرت أن قرار إدراجها في القائمة السوداء يمثل إجراء انتقاميا غير قانوني على خلفية خلاف سياسي وتقني، كما ينتهك التعديل الأول من الدستور الأمريكي المرتبط بحرية التعبير.

ورغم هذا التصعيد المتبادل، شهدت الأزمة لاحقا ما يمكن وصفه بـ"انفراجة تكتيكية" مدفوعة بتطورات تقنية لافتة، فقد أطلقت الشركة نموذجا جديدا يحمل اسم "ميثوس" أظهر قدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات السيبرانية تفوق الأداء البشري، وأثار ذلك مخاوف داخل الإدارة الأمريكية بشأن المخاطر المحتملة على البنية التحتية والقطاع المالي.

في هذا السياق، استضاف البيت الأبيض الرئيس التنفيذي للشركة في اجتماع وُصف بأنه "مثمر وبناء"، جرى فيه بحث فرص التعاون في مجال الأمن السيبراني والتعامل مع التحديات المتسارعة التي يفرضها تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. من جهة أخرى، أثار نموذج ميثوس المتطور قلقا واسعا في الأوساط المالية، حيث حذر جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان شيس" من إمكانية توظيف هذه القدرات في تنفيذ هجمات سيبرانية معقدة تستهدف البنية التحتية المصرفية العالمية.

دفعت هذه المخاوف الجهات التنظيمية الأمريكية إلى عقد اجتماعات طارئة لتقييم المخاطر المحتملة. وفي ضوء ذلك، اتخذت انثروبيك قرارا بتقييد الوصول إلى النموذج وحجبه عن الاستخدام العام، مع إتاحته بشكل محدود ضمن إطار مشروع أمني مغلق يعرف باسم "غلاس سوينغ" وبالتعاون مع حكومات وشركات تكنولوجيا كبرى. وعلى خلفية رفضها إتاحة نموذج "ميثوس"، تعرضت انثروبيك لانتقادات من مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي اعتبر أن هذا الرفض يقوّض قدرة المكتب على أداء دوره الرقابي في الحد من مخاطر الأمن السيبراني.

في المقابل، أثار منح الشركة حق الوصول إلى جهات أخرى، مثل "معهد سلامة الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة" إضافة إلى الحكومة الأمريكية، انتقادات تتعلق بازدواجية المعايير في التعامل مع الشركاء الدوليين.