تناول الخبير الاقتصادي فالنتين كاتاسانوف التقرير الإحصائي الذي نشره البنك المركزي الروسي حول ميزان المدفوعات لشهري يناير وفبراير. وأكد أن الأرقام الواردة فيه تثبت حدوث تغييرات جوهرية في علاقات روسيا الاقتصادية الخارجية مع بقية العالم مقارنة بالأعوام السابقة.
وفي مقال بصحيفة "سفوبودنايا بريسا" لفت الخبير إلى أن ميزان مدفوعات روسيا كان إيجابيا طوال تاريخها. وأورد أمثلة على ذلك، حيث بلغ في عام 2000 نحو 45.4 مليار دولار، وفي عام 1998 نحو 108.9 مليار دولار. كما سجل الرقم القياسي في عام 2022 عند 237.7 مليار دولار، بمتوسط يبلغ نحو 20 مليار دولار شهريا.
لكن الخبير أشار إلى أن ميزان المدفوعات انخفض بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة إلى 49.4 مليار دولار في 2023 و62.5 مليار دولار في 2024، ثم إلى 43.1 مليار دولار في 2025.
يوضح الكاتب أن فائض ميزان المدفوعات يتحول بطريقة أو بأخرى إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج وإلى استثمارات أجنبية تنفذ من قبل الشركات والسلطات النقدية كالبنك المركزي ووزارة المالية.
وتسحب الشركات رؤوس أموالها في صورة استثمارات مباشرة، واستثمارات في محافظ استثمارية، وغيرها. وبعبارة أخرى، تحول هذه الشركات فائض ميزان المدفوعات الروسي الذي بلغ 392.7 مليار دولار على مدى أربع سنوات إلى أصول أجنبية بطريقة أو بأخرى، وهو رقم يتجاوز حتى نفقات الميزانية الفيدرالية الروسية.
ويتابع الكاتب أنه لم يستطع أحد في الحكومة الروسية تفسير سبب الحاجة إلى هذا الفائض الهائل في ميزان المدفوعات، وبالتالي إلى هذا التدفق الكبير لرؤوس الأموال نحو الخارج، لا سيما بعد أن فرض الغرب عقوبات قاسية على روسيا.
وبخصوص ادعاء السلطات أن تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج يوجه إلى "دول صديقة"، يفند كاتاسانوف هذا التبرير بالقول إن تدفق رؤوس الأموال إلى هذه الدول، وخاصة الصين والهند وفيتنام وإندونيسيا وبعض الدول الأخرى، لم يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات.
أما الجزء الأكبر مما يسمى بتصدير رؤوس الأموال، فهو ليس سوى تكديس للعملات، وخاصة الروبية واليوان، في بنوك الدول "الصديقة". كما يقول الخبير.
وأشار إلى أنه تحدث سابقا عن هذه القضية الشائكة، وقال إن الهند تحولت إلى مثلث برمودا الذي تتلاشى فيه عائدات الصادرات الروسية وفق تعبيره.
ويورد الكاتب بالأرقام بيانات العام الحالي، حيث بلغ رصيد الحساب الجاري في يناير 400 مليون دولار، وفي فبراير 1.6 مليار دولار. وكان رصيد الحساب الجاري قد بلغ في هذين الشهرين من العام الماضي 2.7 مليار دولار و7.6 مليار دولار على التوالي.
وهنا يحذر الخبير الروسي من أن روسيا لم تشهد فوائض ضئيلة كهذه على أساس شهري، وإذا استمرت هذه الوتيرة، فقد يتحول فائض الحساب الجاري إلى عجز في غضون فترة وجيزة.
ويتابع الكاتب "لقد اعتدنا كثيرا على تصدير رأس المال إلى دول أخرى، ولكن قريبا لن يتبقى شيء للتصدير. وفي الواقع، أدت الحرب في الشرق الأوسط، وخاصة حصار مضيق هرمز، إلى ارتفاع أسعار النفط ومصادر الطاقة الأخرى في السوق العالمية، مما سيؤدي حتما إلى زيادة فائض ميزان المدفوعات الروسي".
ويضيف الكاتب أن معرفة ذلك ستتم في نهاية الشهر الحالي، عندما ينشر بنك روسيا بيانات ميزان المدفوعات. لكن هذا العامل لن يدوم طويلا، على أقصى تقدير حتى أوائل الصيف.
علاوة على ذلك، سيتم التعويض جزئيا بارتفاع أسعار الواردات الروسية الناجم عن الحرب. لذا لا جدوى من التفاؤل المفرط بأننا سنحقق فائض ميزان المدفوعات نفسه بحلول نهاية العام كما حققناه في السنوات السابقة.
ويشدد الخبير الاقتصادي على أن روسيا بحاجة إلى نظام تجارة خارجية متوازن يعطي الأولوية للواردات اللازمة للنمو الاقتصادي، لأن خطة إحلال الواردات التي أعلن عنها في عام 2014 ليست غاية في حد ذاتها بل يجب أن توفر للواردات عائدات من العملات الأجنبية.
ويضيف كاتاسانوف أن هذا هو الحال في أي اقتصاد سيادي يعمل من أجل رفاهية الأمة بأسرها. أما اقتصاد روسيا فهو يعمل لصالح الأوليغارشيين، الذين تعد صادرات السلع الأهم بالنسبة إليهم.
ويقول إنه لا يدري إن كان عليه أن يفرح أم يحزن لاقتراب صافي تدفقات رأس المال عبر الحدود من الصفر. لأنه من جهة، يبدو من المريح أن روسيا توقفت عن كونها دولة مانحة، ولكن من جهة أخرى، لم يكن هذا نتيجة سياسة حكومية متعمدة بل حدث بشكل عفوي.
ويكشف الكاتب أن متوسط القيمة الشهرية للتدفقات الرأسمالية غير القانونية خارج البلاد في العام الماضي بلغ أعلى مستوى له منذ سنوات عديدة.
وبينما توقف صافي تدفق رؤوس الأموال الخاصة إلى الخارج عبر القنوات الرسمية تقريبا خلال أول شهرين من العام، فإن الخبير يؤكد زيادة هروب رؤوس الأموال عبر القنوات غير القانونية بشكل حاد.

