تونس – لا يشبه صباح أسامة صباحات فئة كثيرة من الشباب في تونس. ففي فضاء عمل مشترك بالعاصمة، يجلس أمام حاسوبه، لا ليلتحق بوظيفة داخل بلاده، بل ليكمل تصميم لعبة فيديو يعمل عليها لصالح شركة أجنبية خارج الوطن.
يستعد للقاء "أبطال" لعبته الجديدة، شخصيات مستوحاة من مسلسل كوميدي تونسي، يحاول من خلالها المزج بين الهوية المحلية وسوق عالمي مفتوح.
قال أسامة إنه لا يفكر في مغادرة البلاد، مضيفا "البقاء في تونس يمنحني فرصة أفضل في مجالي مقارنة بالمنافسة الشديدة في الخارج".
اختار أسامة تأسيس شركة ناشئة لتسهيل تلقي تحويلاته المالية من الخارج، لكن ذلك لم يخلُ من تعقيدات، إذ إن نسبة الضرائب على هذه التحويلات قد تصل إلى 20%. مشيرا إلى أنه لم يتمكن من الاستفادة من نظام "المبادر الذاتي" الذي أطلقته الدولة لدعم العاملين المستقلين.
لا تتشابه قصص العاملين عن بُعد، لكن يجمعهم مسار واحد: العمل في الخارج لكن من الداخل التونسي.
قال خليل الماجدي، مهندس برمجيات، إنه يتنقل بين منزله وفضاءات العمل المشتركة، مرتبط بعقد مع شركة في الولايات المتحدة، ما يفرض عليه إيقاعا مختلفا للحياة يراعي الفوارق الزمنية بين البلدين.
وأضاف خليل "أقدم خدمات لشركة خارج تونس.. أنا فعليا مهاجر، لكن داخل بلدي".
ورغم التحديات المرتبطة بفارق التوقيت وساعات العمل الطويلة، يبدي فخره بتجربته التي مكّنته من تحسين وضعه المادي والانفتاح على تجارب مهنية دولية.
تشير معطيات رسمية إلى أن الظاهرة آخذة في التوسع، إذ خلصت دراسة صادرة عن وزارة التعليم العالي التونسية إلى وجود أكثر من 120 ألف متعاقد حر في تونس، يواجهون تحديات تتعلق بالضرائب والحصول على التحويلات من الخارج بالعملات الدولية، إضافة إلى غياب التغطية الصحية والحماية الاجتماعية.
في هذا السياق، أطلقت السلطات التونسية عدة برامج تحفيزية لإخراج المتعاقدين من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المنظم، من أبرزها ما يعرف بنظام "المبادر الذاتي" بهدف تأطير هذا النوع من العمل.
ويشمل هذا النظام إعفاءات ضريبية مع حماية قانونية وفرصة التمتع بالتأمين الصحي لحماية المتعاقدين من مشاكل التحويلات من الداخل والخارج.
قال مدير برنامج "المبادر الذاتي" في وزارة التشغيل التونسية محمد الكافي الرحماني إن عدد المنخرطين في المنصة (المبادر الذاتي) لا يزال محدودا، إذ لم يتجاوز 9 آلاف شاب.
وأضاف الرحماني أن البرنامج يوفر إعفاءات ضريبية وغطاء قانوني، إلى جانب تسهيلات في استخدام العملة الصعبة لتغطية الاحتياجات المهنية.
وأشار الرحماني إلى أن الوزارة تعمل على رفع القيمة المالية للعملة الصعبة بالنسبة إلى الشركات الناشئة وحتى المتعاقدين بصفة حرة وفردية.
هذا النموذج لا يمنع دائما التفكير في الهجرة في ظل محددات كثيرة تتعلق بخصوصية كل حالة، والارتباط بمناخ عام ضاغط وأفق عالمية قد تكون أرحب وأكثر تشجيعا.
في هذا المقهى نلتقي حمزة، وهو مهندس برمجيات يعمل مع شركة في بلجيكا. قال إنه لم يكن يخطط للهجرة لأسباب عائلية، لكن الضغط الجبائي يدفعه اليوم للتفكير في ذلك.
وأوضح حمزة أن نسبة الضرائب قد تصل في بعض الحالات إلى 35%، وهي نسبة تفرض على الرواتب السنوية التي تتراوح بين 30 ألف دينار (10 آلاف و398 دولار) و50 ألف دينار (17 ألفا و330 دولار) سنويا في تونس.
وأضاف "أدفع هذه الضرائب دون مقابل حقيقي، لا من حيث الخدمات ولا من حيث البيئة المهنية".
تعكس هذه الشهادة مفارقة متزايدة في تونس، وهي أن العمل عن بُعد قد يكون بديلا عن الهجرة، لكنه قد يتحول أيضا إلى مرحلة تمهيدية لها.
في بلد يعاني من ضغوط مالية ويبحث عن موارد للعملة الصعبة، يرى بعض الخبراء في هذه الظاهرة فرصة لكثير من الشباب.
قال الخبير الاقتصادي جمال العويديدي إن "المهاجرين الرقميين قد يتحولون في المستقبل إلى رافد مهم للاقتصاد. ويمكن أن يكونوا بديلا جزئيا عن التحويلات التقليدية".
وأكد العويديدي ضرورة دعم هذه الفئة عبر سياسات تحفيزية، بدل دفعها نحو مغادرة البلاد نهائيا، معتبرا أن هذا النمط من العمل يمثل "شكلا جديدا من تصدير الخدمات".
المفارقة أن العمل عن بُعد قد يمنح البعض سببا للبقاء، فيما يدفع آخرين إلى التفكير في الرحيل. في الحالتين، لم تعد الهجرة مرتبطة فقط بالانتقال الجغرافي، بل أصبحت مرتبطة بمكان العمل والانتماء الاقتصادي.
بين من يراها نزيفا جديدا للأدمغة، ومن يعتبرها فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد، تبقى "الهجرة الرقمية" في تونس ظاهرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
في بلد يبحث عن نموذج تنموي جديد، قد لا يكون السؤال ما إذا كانت الكفاءات تغادر، بل كيف يمكن الاستفادة من بقائها وهي تعمل للعالم.

