في الوقت الذي تشتعل فيه أسعار الفستق عالميا مسجلة أعلى مستوياتها منذ 8 سنوات، بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يواجه المنتجون الإيرانيون معضلة مزدوجة تتمثل في وفرة المعروض مع انقطاع شبه تام لشرايين التصدير البحرية جراء الحصار الأمريكي على الموانئ الرئيسية جنوبي إيران.
وبلغ سعر الفستق 4.57 دولارات للرطل، وهو أعلى مستوى لهذا المنتج الزراعي منذ مايو الماضي. وأجمع القائمون على قطاع الفستق في طهران على أن الحرب عرضت سلاسل التصدير لضغوط غير مسبوقة نتيجة اختناقات الشحن في المياه الخليجية، بينما يتسارع الطلب العالمي على هذا المنتج المستخدم في أطعمة مختلفة مثل الحلويات والآيس كريم والشوكولاتة.
وتعد إيران ثاني مُصدر للفستق في العالم خلف الولايات المتحدة وثالث منتج بعد كل من أمريكا وتركيا. وكشف رئيس جمعية الفستق الإيرانية محمد صالحي أن أغلب صادرات بلاده من الفستق توقفت عمليا بعد اندلاع الحرب.
وأوضح صالحي أن "أكثر من 65% من صادرات الفستق الإيراني كانت تتم عبر البحر، لكن مع انعدام الأمن في الممرات المائية الجنوبية وما تلاها من محاصرة لموانئ البلاد، انخفضت الكميات المعروضة في الأسواق العالمية بشكل كبير مما تسبب في ارتفاع الأسعار في الخارج".
وأفاد صالحي بأن نحو 34% من صادرات هذا المنتج كانت تسلك الطرق البرية أصلا حتى قبل فترة الحرب، بينما لا يتجاوز التصدير الجوي 1% ويقتصر على المنتجات الفاخرة أو الطلبيات العاجلة.
وتابع صالحي أن "بعد التوقف التام للصادرات من الموانئ الجنوبية، باتت كميات صغيرة فقط تُصدَّر حاليا عبر موانئ بحر قزوين، وكذلك عبر الطرق البرية نحو تركيا"، مشيرا إلى أن النقل البري "مكلف ويستغرق وقتا طويلا ويواجه تحديات عديدة".
وعلى النقيض من الأسواق العالمية، تشهد سوق الفستق ظاهرة لافتة داخل إيران؛ إذ انخفضت الأسعار بنسبة تتراوح بين 10% و15% بعد الحرب، بحسب علي رضا أرزاني ممقاني، رئيس اتحاد الجوز والمكسرات في غرفة "أصناف إيران".
وأوضح أرزاني ممقاني أنه عندما تتوقف صادرات الفستق يرتفع العرض المحلي منه، وبالتالي تنخفض الأسعار، وفقا لقانون العرض والطلب. وأضاف أن هبوط الأسعار في الداخل يخص أسعار الجملة والمزارعين فحسب، وليس المستهلكين، كاشفا عن "صدمة استهلاكية" داخلية ضاعفت الضغط على السوق المحلية.
وأشار إلى أن العيدين تزامنا في أجواء الحرب والحداد العام وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مما أدى إلى عزوف شعبي واسع عن الاحتفال بالمناسبتين. وكانت النتيجة تراجع الاستهلاك بشكل حاد رغم أننا كنا قد جهزنا مخزونا كبيرا تحسبا للموسم.
وشدد أرزاني على أن "قطاع الفستق داخل إيران لم يصب بأضرار من الحرب؛ فالمزارع والأراضي الزراعية ومعامل المعالجة في المحافظات لم تطَلها الهجمات تقريبا". ولمواجهة استمرار الحصار البحري للموانئ الجنوبية، كشف أرزاني أن المصدرين الإيرانيين يبحثون عن مسارات بديلة، منها "التصدير مباشرة إلى روسيا عبر بحر قزوين وإلى أوروبا عبر تركيا".
وأشار إلى أن أولى الشحنات تُوجَّه حاليا إلى قرغيزستان وأفغانستان بهدف الوصول إلى الصين والهند، إضافة إلى محاولات العودة إلى الأسواق العربية عبر العراق. وأوضح أن وفرة الإنتاج المحلي وكفاءة المسارات البديلة قد تخففان تدريجيا من صدمة الأسعار العالمية.
لكن استمرار تعطل خط الإمداد البحري الرئيسي يبقي الأسواق الدولية في حالة ترقب مع استمرار الحرب وتداعياتها. لم يقتصر البحث عن البدائل على تصدير الفستق الإيراني فحسب، بل شمل الاستيراد أيضا، إذ أوضح أرزاني أن الحرب أجبرت التجار على تغيير طرق استيراد المبيدات الزراعية من الصين.
وتابع قائلا: "كنا نستورد المبيدات من الصين عبر الشحن البحري إلى الإمارات ثم إلى إيران في رحلة تستغرق 45 يوما. أما اليوم، فمسارنا البري الجديد يصل البضائع في 10 أيام فقط وبتكلفة أقل".
وبعد سنوات من الثبات عند مستوى 200 ألف طن تقريبا، نجحت إيران العام الماضي في كسر حاجز الإنتاج عبر الوصول إلى 250 ألف طن من الفستق، مما وصفه عضو غرفة الصناعة والتجارة الإيرانية بأنه "استثنائي بعد جمود طال أمده".
ويرى هاشمي في تصريحات له أن هذه القفزة الإنتاجية مؤشر على قدرة البساتين الإيرانية على استعادة عافيتها، مدعومة بتحسن الظروف المناخية وارتفاع معدلات الإثمار. ويؤكد هاشمي أن نحو خمسة أسداس الإنتاج الإيراني (قرابة 83%) موجه للتصدير، بينما يُستهلك السدس منه فقط محليا.
ورغم الصدمة اللوجستية، ثمة مؤشرات إيجابية تلوح في أفق الموسم المقبل، إذ يتوقع أن تتجاوز البلاد مجددا سقف الإنتاج القياسي بفضل وفرة الأمطار هذا العام. ويأتي ما قاله هاشمي متوافقا مع تأكيد محمد صالحي على قدرة تجار الفستق على تجاوز العقبات الحالية.
ويستند صالحي في تفاؤله إلى خبرة القطاع في تجاوز أزمات سابقة، قائلا: "واجهنا أشد العقوبات الاقتصادية من قبل ونجحنا في الحفاظ على أسواقنا وحل مشكلات عودة العائدات التصديرية". وتوقع صالحي أن استمرار الحرب أو الحصار البحري "لن يؤثر على إنتاج الفستق داخل إيران".
مع توقعات بموسم حصاد قياسي جديد هذا العام، يبقى الرهان الأكبر للفستق الإيراني على قدرة القطاع الخاص على نسج شبكات بديلة لطرق التجارة التقليدية، في سباق مع الزمن لتخفيف وطأة العزلة البحرية وتلبية شهية الأسواق العالمية المتعطشة لهذا المنتج الإيراني.

