تظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار. منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
يرى محللون أن هذا ربما يسهم في دعم الأسر والشركات والنمو في تلك الدول، حين يظهر تأثير ارتفاع الأسعار تدريجياً على المستهلكين العاديين خلال الأشهر المقبلة.
ألبانيا تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، ففي وقت تُعطِّل فيه حرب إيران تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية وتتسبب في رفع أسعار الطاقة لمستويات كبيرة، يوفر لها نهر درين الذي ينحدر عبر جبال في شمال البلاد الحماية.
بفضل أمطار الشتاء وذوبان الثلوج، وانتشار السدود الكهرومائية التي بُنيت خلال العهد الشيوعي، يقدم النهر طاقة كهربائية تزيد على 90 في المائة من إنتاج الكهرباء في ألبانيا، مما يساعد على ضبط أسعار الجملة.
هذا الأمر يعزز أيضاً تحول أوروبا بشكل عام نحو الطاقة النظيفة الصديقة للبيئة.
أما الدول التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، فهي تواجه ارتفاعات حادة في الأسعار، مما يفاقم ضغوط التضخم ويزيد من احتمال الركود في الاقتصاد العالمي.
أصبح ملف الطاقة مصدر قلق مألوفاً للأوروبيين إثر معاناتهم من أزمة طاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
قال ساتيام سينغ، المحلل في شركة "ريستاد" لبحوث الطاقة، إن الأزمة ترفع الحد الأدنى للأسعار في المنطقة للجميع، ولكن الدول الأقل مرونة والأكثر اعتماداً على الوقود المستورد هي التي تشهد أقوى تأثير خلال التقلبات وذروة الأسعار.
شهدت إيطاليا التي تولِّد أكثر من 40 في المائة من الكهرباء بالغاز، ارتفاعاً يزيد على 20 في المائة في عقد بيع الجملة القياسي منذ بداية الحرب. أما في ألمانيا التي تعاني من نقص حاد في الغاز، ارتفع هذا العقد بأكثر من 15 في المائة.
وعلى النقيض من ذلك، ارتفع في فرنسا التي تعتمد على المحطات النووية في 70 في المائة من إنتاجها للكهرباء، بأقل من نصف ما ارتفع في إيطاليا خلال الفترة نفسها.
أما إسبانيا التي زادت إنتاجها من الطاقة المتجددة بسرعة إلى ما يقارب 60 في المائة من إجمالي الإنتاج، فقد انخفضت الأسعار، وسجلت ألبانيا أيضاً انخفاضاً في متوسط الأسعار في مارس مقارنة بالعام الماضي، بفضل وفرة الطاقة الكهرومائية.
تتمتع الدول التي تعتمد على الغاز -مثل إيطاليا وألمانيا واليونان- بمستوى معين من إنتاج الطاقة الشمسية، ولكن الاعتماد المفرط على هذه الطاقة يتسبب فيما يطلق عليه "منحنى البطة"؛ إذ تكون الأسعار منخفضة في منتصف النهار ولكنها ترتفع بشكل حاد في الصباح الباكر وآخر النهار.
قال أليساندرو أرمينيا، محلل شؤون الطاقة الكهربائية في "كبلر" لبيانات وتحليلات السلع الأولية، إن هدف معظم هذه الدول -مثل إيطاليا وألمانيا- هو بناء منظومة ضخمة من مصادر الطاقة المتجددة والتخزين طويل الأجل تعوض الاعتماد على الغاز، مما يشكل تحدياً كبيراً.
أشار محللون إلى أن دولاً منتجة للفحم -مثل بولندا وصربيا- تحملت أيضاً وطأة الأمر. وفي اليونان التي تتمتع بقدرة إنتاجية عالية من الطاقة الشمسية، تريد الشركة المشغلة لشبكة الكهرباء إبقاء محطة توليد الطاقة التي تعمل بالفحم الحجري مفتوحة عاماً آخر على الأقل بسبب حرب إيران.
يتوقع المحللون أن تكون الصدمات في أسعار الطاقة بالنسبة للأسر أقل حدة من القفزات في تكاليف الجملة التي شهدها قطاع النفط والغاز، إذ قد يستغرق الأمر شهوراً حتى تظهر هذه الزيادات في النظام.
وضعت المفوضية الأوروبية خططاً لخفض ضرائب الكهرباء في إطار سعيها للتخفيف من وطأة تداعيات الحرب، رغم أن مسؤولين ومحللين يحذرون من أن التكاليف الملقاة على عاتق الدول قد تتضخم بشدة نتيجة لذلك.

