لم يكن عام 2025 مجرد محطة زمنية في تاريخ العلاقات السعودية الأميركية. بل كان عام "الترسيخ الاستراتيجي الشامل" الذي نقل التحالف من أطره التقليدية إلى آفاق جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة. قال الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إن التحالف قد نجح في صياغة مفهوم جديد للشراكة؛ يتجاوز لغة المصالح العابرة إلى بناء "كتلة اقتصادية ودفاعية" صلبة. وأوضح أن هذه الحصيلة الاستثنائية، والتي تبلورت في لقاءين تاريخيين خلال ستة أشهر، لم تكن وليدة الصدفة، بل هي تتويج لإرث يمتد لـ92 عاماً.
في الثالث عشر من مايو (أيار)، استقبلت الرياض الرئيس دونالد ترمب في زيارة دولة رسمية. حيث كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقدمة مستقبليه. ومن قصر اليمامة، انطلقت أعمال القمة السعودية الأميركية لتستعرض مسارات التعاون والجهود التنسيقية الهادفة لتعزيز الشراكة في مختلف المجالات. وأضافت القمة أنها بحثت المستجدات الدولية بما يخدم الأمن والازدهار.
وتوجت هذه القمة بتوقيع "وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية" بين حكومتي البلدين. كما تم تبادل حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات الطاقة، وتطوير القدرات العسكرية، والتعدين، والموارد المعدنية، بالإضافة إلى قطاعات الصحة والجمارك. مما عكس شمولية الرؤية المشتركة للجانبين.
استشراف استثمارات التريليون دولار
خلال أعمال منتدى الاستثمار السعودي الأميركي بالرياض، رسم ولي العهد خريطة طريق اقتصادية طموحة. كاشفاً عن العمل على فرص شراكة بحجم 600 مليار دولار. وقد أُعلن فعلياً عن اتفاقيات تتجاوز 300 مليار دولار، مع استهداف رفع إجمالي هذه الشراكات لتصل إلى تريليون دولار في المرحلة الثانية. وأكد ولي العهد أن هذه الشراكة تدعم توطين الصناعات وتنمية المحتوى المحلي بما يعزز فرص العمل ونمو الناتج المحلي في المملكة.
كما لفت ولي العهد إلى الدور المحوري لصندوق الاستثمارات العامة في السوق الأميركية. حيث تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 40 في المئة من استثماراته العالمية، مما يعكس الثقة في قدرة الاقتصاد الأميركي على الابتكار. وأشار إلى أن هذا الانفتاح يفتح آفاقاً واسعة لنقل المعرفة وتبادل الخبرات بين البلدين. يعكس حجم الوجود الأميركي في المملكة عمق هذه الشراكة، حيث تعمل وتستثمر نحو 1300 شركة أميركية في السوق السعودية.
وأكد ولي العهد أن هذه النتائج تأتي ثمرة لنجاح "رؤية 2030" في تحقيق معظم مستهدفاتها. وأشار ترمب في كلمته خلال المنتدى إلى متانة العلاقة، ووصفها بأنها "أقوى من أي وقت مضى"، مشيراً إلى أن إدارته حققت إنجازات تفوق ما تحققه إدارات أخرى في سنوات. وشهد المنتدى مشاركة واسعة لأكثر من 2000 مسؤول وصانع قرار، وتوقيع أكثر من 140 اتفاقية في مجالات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والعلوم الحيوية.
زيارة واشنطن ودعم الشراكة الدفاعية
في الثامن عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، حطَّ ولي العهد رحاله في واشنطن. حيث وقَّع مع ترمب في البيت الأبيض "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي" التاريخية. وأوضح أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة محورية لتعزيز الشراكة الدفاعية طويلة المدى، وتجسد الالتزام المشترك بدعم السلام والأمن في المنطقة. وأضاف ولي العهد أنه شارك في منتدى الاستثمار الأميركي السعودي بالعاصمة واشنطن، معبراً عن سعادته بتجدد اللقاء الذي يرسخ الأسس التي وضعت في الرياض للنمو والتنويع الاقتصادي والابتكار.
كما أشاد ترمب بالقيادة الجريئة لولي العهد والتزامه بالروابط الوثيقة بين البلدين. وأعلن رسمياً تسمية السعودية كـ"حليف رئيسي خارج الناتو"، وهو شرف نادر وعلامة ثقة كبرى. وأكد على أهمية اتفاقية الدفاع الاستراتيجية التاريخية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستزود المملكة ببعض من أعظم المعدات العسكرية في العالم. وبذلك أثبتت السعودية والولايات المتحدة أن تحالفهما هو صمام أمان للاستقرار الاقتصادي والأمني العالمي.
إن الرؤية المشتركة للقيادتين قادرة على تحويل الفرص إلى واقع ملموس، مما يحقق الازدهار للشعبين الصديقين.







