بعد مرور سبعة عشر عاما على الأزمة المالية العالمية التي اندلعت أواخر عام 2007، بدأت الهيئات التنظيمية حول العالم في تخفيف الإجراءات البيروقراطية المفروضة على البنوك. سعت هذه الخطوة إلى الحفاظ على قدرة المقرضين على المنافسة وتحفيز اقتصاداتها.
وتقود إدارة ترمب هذه الجهود، بما في ذلك اتخاذ تدابير لتقليل حجم رأس المال الذي يُلزَم المقرضون بتخصيصه. وقد أثار خفض متطلبات رأس المال قلق بعض المراقبين من أن الولايات المتحدة قد أشعلت شرارة تراجع عالمي عن اللوائح المصممة لحماية الأنظمة المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن فقاعات السوق ومخاطر الاستقرار المالي.
على المستوى الدولي، يُفترض أن تتوافق الهيئات التنظيمية في كل دولة مع نظام "بازل" التنظيمي، الذي وُضع بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. يهدف هذا النظام إلى ضمان تطبيق معايير دنيا لرأس المال في جميع أنحاء العالم، مما يتيح للمقرضين تجاوز خسائر القروض خلال فترات الأزمات. كما يُحقق تكافؤ الفرص بين البنوك.
تطبيق قواعد بازل في العالم
لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، كما يتضح من اختلاف طرق تطبيق أحدث القواعد المعروفة باسم "نهاية بازل 3". وقد أرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من هذه القواعد، مثل تلك المتعلقة بأنشطة التداول المصرفي، في انتظار الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة.
تبدو متطلبات نسبة رأس المال للبنوك في منطقة اليورو وبريطانيا والولايات المتحدة متشابهة نظريا. فيحدد الاحتياطي الفيدرالي نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول (CET1) بين 10.9 في المائة و11.8 في المائة بعد إضافة بنود خاصة ببنوك "وول ستريت" الكبرى مثل "جي بي مورغان" و"سيتي" و"غولدمان ساكس".
أما في منطقة اليورو، فيبلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول لدى البنك المركزي الأوروبي 11.2 في المائة للمقرضين، بما في ذلك "دويتشه بنك" و"سانتاندير" و"بي إن بي باريبا". بالإضافة إلى متطلبات "الركيزة الثانية" الخاصة بكل بنك، والتي تبلغ نحو 1.2 في المائة.
تحليل متطلبات رأس المال في المصارف
خفضت لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا الحد الأدنى لنسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى 11 في المائة، دون احتساب الإضافات الخاصة بكل بنك، والتي قد تصل حاليا إلى حوالي 2.5 في المائة للبنوك الكبرى. تحتفظ جميع البنوك الكبرى برأس مال يفوق المطلوب، حيث تهدف هذه الاحتياطيات الذاتية لتهدئة المخاوف التنظيمية وتعزيز ثقة المستثمرين.
وفقاً للرؤساء التنفيذيين للبنوك الكبرى، تواجه بنوكهم تحديات أكبر من مجرد أرقام رأس المال. فقد تكون مقارنة النسب البسيطة مضللة، إذ تتبنى الهيئات الرقابية الاحترازية مناهج مختلفة تعكس اختلاف القطاعات المصرفية المحلية.
تتألف قواعد رأس المال من جزأين: ترجيح المخاطر، الذي يقيس مخاطر أصول البنك، ونسبة رأس المال، التي تحدد حجم رأس المال الذي يجب على البنك الاحتفاظ به كنسبة من تلك الأصول. على عكس المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لا تستطيع البنوك الأميركية الاعتماد على نماذجها الداخلية لتحديد ترجيح المخاطر، ما يعني غالبا قيودا أكثر صرامة للبنوك الكبيرة.
التغييرات في اللوائح الأمريكية
تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية، التي عينها الرئيس ترمب، على تأجيل وتخفيف تطبيق القواعد الجديدة. كما تشمل المقترحات، بقيادة ميشيل بومان من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تعديل قواعد الرافعة المالية والرسوم الإضافية على المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية العالمية.
يجري الاحتياطي الفيدرالي إصلاحا شاملا لاختبارات الضغط السنوية للبنوك الكبيرة، وهو تحول متوقع أن يقلص رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به لمواجهة الخسائر المحتملة. وقدّر محللو "مورغان ستانلي" أن هذه التغييرات المحتملة قد تُتيح للبنوك الأميركية تريليون دولار إضافية في قدرتها على الإقراض.
مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنوك ستزيد من القروض، إذ قد تفضل بعضها زيادة توزيعات الأرباح على المستثمرين أو تمويل عمليات الاستحواذ.
موقف منطقة اليورو وبريطانيا واليابان
يسعى كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى تخفيف الأعباء عن البنوك، لكن بطرق محدودة، مع الإشارة إلى عدم وجود سباق نحو تبسيط الإجراءات التنظيمية. أعلن البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر عن خطط لتبسيط قواعده مع الحفاظ على مستويات رأس المال.
في الوقت ذاته، خفض بنك إنجلترا تقديره الرئيسي لاحتياجات رأس المال المصرفي على مستوى النظام المصرفي بنسبة نقطة مئوية واحدة إلى 13 في المائة، وهذا هو أول انخفاض في الأسعار منذ الأزمة المالية. وقد وصف المحللون هذه التغييرات بأنها مهمة لكنها مدروسة.
أما في اليابان، فقد مضت هيئة تنظيم القطاع المصرفي قدماً في تطبيق إطار "بازل 3" النهائي، الذي دخل حيز التنفيذ بالنسبة للبنوك الثلاثة الكبرى في نهاية مارس 2024، بعد أن أرجأت سابقاً تطبيق القواعد خلال جائحة "كورونا" والحرب في أوكرانيا.







