تعيش سوريا مرحلة تحول اقتصادي مع استعادة الحكومة السيطرة على معظم المنطقة الشرقية، لا سيما محافظات الحسكة والرقة ودير الزور. وتختزن هذه المنطقة ثروات باطنية وزراعية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد السوري.
يرتقب السوريون خلال أيام تطبيق اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة. وأكدت الحكومة تسلم دمشق إدارة المنشآت الحكومية والمعابر الحدودية والسجون وحقول النفط والغاز.
أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما 15 يوماً.
معلومات عن منطقة الجزيرة
تقع منطقة الجزيرة في أقصى شمال شرقي سوريا وتمتد بين نهري دجلة والفرات، على تماس مباشر مع الحدود العراقية التركية. وتضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، مشكّلة نحو 41% من مساحة البلاد. وتعد إحدى أكثر المناطق السورية تركيزاً للموارد الطبيعية.
تُعرف الجزيرة بأنها سلة الغذاء السورية وخزانها المائي والنفطي، إذ تحتوي على نحو 64% من الموارد المائية في البلاد. وتنتج أكثر من نصف محصول القمح السوري بما يتجاوز مليوني طن سنوياً، تتركز 45% منه في محافظتي الحسكة والرقة بإجمالي يناهز مليونا و800 ألف طن.
تسهم المنطقة بنحو 62% من إنتاج القطن، الذي يمثل ركيزة أساسية لصناعة النسيج، وتتصدر محافظة الحسكة هذا الإنتاج بنسبة 38%.
إعادة تنشيط الاقتصاد
قال المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي إن استعادة السيطرة على محافظات الجزيرة السورية، وفي مقدمتها الحسكة، تمثل دفعة مباشرة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.
وأوضح القاضي أن نحو ثلث الناتج القومي السوري قبل عام 2011 كان يعتمد على النفط والغاز المتركزة حقولهما في هذه المنطقة. وأشار إلى أن عودة الحسكة تتيح للدولة تأمين موارد مهمة للخزينة العامة، ما ينعكس على تحسين مستوى المعيشة وتعزيز القدرة على إدارة المالية العامة.
كما تمكن عودة الحسكة الحكومة من ضبط المعابر الخارجة عن السيطرة، والحد من تهريب البضائع، إضافة إلى تنظيم تسويق محاصيل القمح والقطن وضمان وصول عائداتها إلى الخزينة بدل تسربها خارج القنوات الرسمية.
معادلة الأمن الغذائي
يرى الباحث الاقتصادي عبد السلام العمر أن استعادة الدولة السيطرة على مناطق الجزيرة السورية تشكل متغيراً بنيوياً في معادلة الأمن الغذائي والميزان التجاري، نظراً للوزن النسبي المرتفع الذي تمثله هذه المناطق في إنتاج الحبوب، ولا سيما القمح.
يقول العمر إن مساهمة محافظات الرقة والحسكة ودير الزور بما يزيد على نصف الإنتاج الوطني من القمح تتيح للدولة هامشاً واسعاً لإعادة هيكلة سياسة القمح، عبر الانتقال من نمط الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي.
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي يونس الكريم أن المناطق الشرقية تواجه تحديات كبيرة في قطاع زراعة القمح، أبرزها الحاجة إلى استقرار أمني وعسكري، إضافة إلى تأثيرات الجفاف.
احتياطات النفط والغاز
تشير تقديرات رسمية سورية وتقارير دولية إلى أن سوريا تمتلك احتياطياً نفطياً يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، مع وجود تقديرات أعلى غير مؤكدة ترفع الرقم إلى نحو 7 مليارات براميل. وتتركز النسبة الكبرى من الحقول النفطية المنتجة تاريخياً في المنطقة الشرقية، ولا سيما في دير الزور والحسكة.
كانت حقول شرق الفرات تمثل قبل الحرب نحو 70% إلى 80% من القدرة الإنتاجية النفطية السورية، مع وجود حقول بارزة مثل العمر والتنك والجفرة والسويدية والرميلان.
أما في قطاع الغاز، فتقدر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 285 مليار متر مكعب، ما يمنح المنطقة وزناً مضاعفاً في ملف الطاقة.
إدارة قبل الاستثمار
يجمع خبراء اقتصاد وطاقة على أن أي مسار لتعافي الاقتصاد السوري أو إعادة الإعمار سيبقى مرتبطاً بشكل مباشر باستقرار وإدارة موارد المنطقة الشرقية، نظراً لما تختزنه من ثروات قادرة على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
يقول الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو إن المسألة تتطلب إدارة واستثماراً وتوظيفاً اقتصادياً فعالاً. وأكد أن قوات قسد بددت الموارد خلال فترة سيطرتها على تلك المناطق.
ويضيف أن قطاع الطاقة من نفط وغاز يمثل عاملاً أساسياً في تخفيف الأعباء عن الحكومة عبر تقليل الاستيراد، والتحول التدريجي من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة، مما ينعكس إيجاباً على الميزان التجاري السوري.







