في تحول دراماتيكي يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية الكبرى. شهد مطلع العام حراكاً تجارياً عالمياً غير مسبوق تميز بسمة واحدة بارزة: الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة في صياغة الاتفاقيات الكبرى. بينما ينشغل البيت الأبيض بفرض رسوم جمركية مشددة والتهديد بفك الارتباط مع الحلفاء، بدأت القوى الاقتصادية من نيودلهي وبروكسل إلى بكين وأوتاوا في بناء نظام موازٍ يتجاوز الهيمنة الأميركية التقليدية. تسعى هذه القوى إلى تأمين سلاسل الإمداد وضمان استقرار الأسواق بعيداً عن تقلبات واشنطن.
تحالف الملياري نسمة
برز الاتفاق التاريخي بين الهند والاتحاد الأوروبي الذي وُصف بأمّ الصفقات، ليدشن منطقة تجارة حرة عملاقة تضم نحو ملياري مستهلك وتمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من نيودلهي أن أوروبا والهند تصنعان التاريخ، مؤكدة أن هذا التحالف هو مجرد البداية لعلاقة استراتيجية تهدف لتقليل الاعتماد على الأسواق الأميركية المتقلبة والصينية المهيمنة.
تشمل مكاسب الاتفاق أن الهند تفتح أبوابها أمام 250 ألف سيارة أوروبية سنوياً مع خفض تدريجي للرسوم من 110 في المائة إلى 10 في المائة. كما سيحصل المصدرون الهنود على إعفاء كامل في قطاعات المنسوجات والجلود والأحذية، مما يفتح لهم سوقاً أوروبية بقيمة 100 مليار دولار.
إلى جانب التجارة، وقَّع الطرفان شراكة أمنية تهدف لتوطين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، في رسالة واضحة بأن نيودلهي تبحث عن بدائل لأسلحتها الروسية وتكنولوجيا واشنطن المشروطة.
الميركوسور يكسر عزلة العقود
لم يتوقف الطموح الأوروبي عند حدود آسيا، إذ شهد مطلع هذا العام اختراقاً تاريخياً في المفاوضات مع كتلة ميركوسور المكونة من القوى الكبرى في أميركا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين. يسعى هذا الاتفاق إلى ربط أوروبا بسوق تضم أكثر من 700 مليون نسمة، وهو مشروع طال انتظاره لعقود.
رغم هذا التقدم، واجه الاتفاق عقبة إجرائية بعدما قرر البرلمان الأوروبي إحالة الاتفاق إلى محكمة العدل الأوروبية لمراجعته قانونياً، مما قد يؤخر التنفيذ. ومع ذلك، ترى المفوضية الأوروبية أن هذا التحرك ضروري لتأمين شريك تجاري موثوق في القارة اللاتينية، بعيداً عن تقلبات السياسة التجارية في واشنطن.
لم تكن كندا بعيدة عن هذا المشهد، إذ أبرم رئيس وزرائها مارك كارني اتفاقاً تصحيحياً مع بكين يقضي بخفض الرسوم الصينية على زيت الكانولا الكندي إلى 15 في المائة، مقابل استيراد أوتاوا 49 ألف سيارة كهربائية صينية.
ترمب وسيول وتحالف الـ 350 مليار دولار
في تطور متزامن، صعّد ترمب من لهجته ضد كوريا الجنوبية مهدداً برفع الرسوم الجمركية على منتجاتها من 15 في المائة إلى 25 في المائة. هذه التهديدات التي طالت قطاعات السيارات والأخشاب والأدوية تضع اتفاقاً تجارياً ضخماً بقيمة 350 مليار دولار على حافة الانهيار. وهذا يدفع الحلفاء الآسيويين للبحث عن مظلات تجارية بديلة.
تشير تحليلات بلومبرغ إيكونوميكس إلى أن ترمب نفَّذ فقط واحدة من كل 4 تهديدات جمركية أطلقها، مما جعل الأسواق العالمية تبدأ في تجاوز هذه التهديدات والبحث عن استقرار طويل الأمد في تكتلات لا تمر عبر واشنطن.
يرى مراقبون أن هذه الاتفاقات تعكس بداية عصر التعددية، حيث تقول سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين في برينسيبال أسيت مانجمنت، إن الاقتصادات العالمية لم تعد تستطيع الارتهان للقرار الأميركي المنفرد.
عالم متعدد الأقطاب
ورغم أن هذه المسارات الجديدة لا تخلو من العقبات، مثل التدقيق القانوني لاتفاقية ميركوسور، فإن الزخم الحالي يشير إلى أن العالم بدأ فعلاً في بناء جسور اقتصادية لا تمر عبر واشنطن.







