رغم الوعود التي قطعها المستشار الالماني فريدريش ميرتس عند توليه منصبه بإنعاش الاقتصاد عبر إنفاق مالي ضخم ينهي حالة الانكماش؛ فإن دوائر اقتصادية ومجموعات تجارية تبدي قلقها من تعثر تنفيذ الاصلاحات الهيكلية الضرورية لضمان استدامة هذا النمو.
ويُعدّ تسارع النمو في المانيا عنصراً محورياً لآفاق تعافي منطقة اليورو؛ إذ تمثل نحو ربع الناتج الاقتصادي للتكتل. أي أكثر بكثير من أي دولة عضو أخرى.
غير أن بطء عملية اتخاذ القرار على المستوى الاتحادي. إلى جانب شريك في الائتلاف الحكومي يتحفظ على بعض خطط ميرتس الأكثر طموحاً. قد يضع عراقيل أمام مسار الاصلاح. كما أن الطاقات الصناعية المعطلة. التي تحتاج إلى وقت لإعادتها إلى العمل. قد تُبطئ التعافي أيضاً.
تحديات النمو في المانيا
بعد تحقيق نمو لا يتجاوز 0.2 في المائة في عام 2025. يُتوقع أن يشهد الاقتصاد توسعاً أقوى هذا العام مع تسارع وتيرة الإنفاق الذي يدفع به ميرتس. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الالماني بنسبة 1.1 في المائة في 2026. بينما تتوقع الحكومة رسمياً توسعاً بنسبة 1.3 في المائة. إلا أنه من المرجح أن تُخفض هذا التقدير إلى 1 في المائة. حسب مصدر مطلع على التوقعات.
وقال أولريش رويتر. رئيس اتحاد بنوك الادخار الالمانية. متوقعاً نمواً بنسبة 1 في المائة: «إن تعافياً معتدلاً يُعدّ إشارة إيجابية. لكن الانتعاش لا يزال هشاً». وأضاف أن معنويات المستثمرين ارتفعت في يناير إلى أعلى مستوى لها منذ أغسطس 2021. وفق ما ذكره معهد الأبحاث الاقتصادية «زد إي دبليو» الأسبوع الماضي.
وقالت جيرالدين داني-كنيدليك. الاقتصادية في المعهد الالماني للبحوث الاقتصادية «زد إي دبليو» برلين: «من المعقول النظر إلى عام 2026 بتفاؤل حذر: فإذا أُنفذت الإجراءات المالية التي أُقرت بالفعل بشكل كامل. فقد يكون من الممكن تحقيق تسارع ملحوظ».
البطء في اتخاذ القرارات يعوق الاستثمار
ورغم أن البرلمان الالماني وافق في مارس الماضي على صندوق خاص تاريخي بقيمة 500 مليار يورو للبنية التحتية. لم يُستثمر سوى 24 مليار يورو فقط بحلول نهاية العام؛ ما يعكس بطء وتيرة اتخاذ القرار في النظام الاتحادي الالماني. وبحلول منتصف عام 2025. بدأ الالمان يشعرون بنفاد الصبر. والآن تتزايد المخاوف أكثر. في ظل مرور أكثر من ثمانية أشهر على تولي ميرتس السلطة.
وقال كارستن بريزيسكي. كبير محللي الاقتصاد الكلي العالمي في بنك «آي إن جي». إن مشكلات المانيا متجذرة بعمق – وغالباً ما تكون هيكلية ومن صنعها – ولا يمكن إصلاحها بسرعة. حتى لو كان الانطلاق قد بدأ.
وأضاف: «في هذه المرة. يكاد الاقتصاد يحتاج إلى إعادة تصميم شاملة». مشيراً إلى ضرورة تقليص البيروقراطية. وتوسيع خدمات الحكومة الإلكترونية. وتقليل العبء المالي الناجم عن التغيرات الديموغرافية. غير أن ميرتس. رغم دفاعه الطويل عن أجندة داعمة للأعمال. يواجه تحفظات من شركائه في الائتلاف من الحزب الديمقراطي الاجتماعي ذي التوجه الوسطي اليساري. الذين يخشون أن تؤدي بعض الاصلاحات إلى تقويض حقوق العمال.
الإصلاحات الهيكلية في المانيا
أما الاصلاحات الهيكلية الأكثر حساسية سياسياً — المتعلقة بالمعاشات التقاعدية. وتمويل التأمين الصحي. وإصلاح القواعد المالية الالمانية — فقد أُحيلت إلى لجان يُفترض أن تقدم تقاريرها بحلول نهاية عام 2026؛ ما يعني أن الكثير من القرارات الكبرى لا تزال معلقة.
في المقابل. سيوفر التحفيز المالي بعض الدعم للقطاع الصناعي. الذي أظهر مؤخراً مؤشرات أولية على الاستقرار. فقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.8 في المائة في نوفمبر. مسجلاً ثالث زيادة شهرية متتالية. كما قفزت الطلبات الصناعية بنسبة 5.6 في المائة على أساس شهري في نوفمبر. ونما نشاط القطاع الخاص بأسرع وتيرة له في ثلاثة أشهر خلال يناير.
وقالت فرانشيسكا بالماس. كبيرة اقتصاديي أوروبا في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا يعزز ثقتنا في أن المانيا. بعد ست سنوات من الركود. ستعود إلى النمو في 2026. ومع ذلك. لا ينبغي المبالغة في التفاؤل».
ورغم بعض البيانات المشجعة. من المرجح أن ينمو القطاع الصناعي بوتيرة أبطأ من الاقتصاد ككل هذا العام. حسب اتحاد الصناعات الالمانية.
وأشارت المديرة العامة للاتحاد. تانجا غونر. إلى أطول فترة من انخفاض استخدام الطاقة الإنتاجية. حيث بلغ معدل الاستخدام 78 في المائة في أكتوبر. وهو مستوى أدنى بكثير من المتوسط طويل الأجل البالغ 83.3 في المائة.
وقالت: «هذا يعني أن الآلات متوقفة عن العمل. والقدرة الإنتاجية غير مستغَلة. والاستثمارات مؤجلة. والعمالة في تراجع». وأضافت أن التفاؤل الأولي الذي أعقب التحول الحكومي في السياسة المالية تلاشى أيضاً. بعدما اتضح أن أجزاء من صندوق البنية التحتية تُستخدم لدعم الإنفاق اليومي بدلاً من توجيهها إلى بنى تحتية محفزة للنمو.
في الوقت نفسه. لا يزال الطلب الأسري هشاً. فقد تراجعت ثقة المستهلكين في يناير. مع وصول الميل إلى الادخار إلى أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية. ومن المتوقع أن يظل الإنفاق ضعيفاً هذا العام مع ارتفاع البطالة. في انعكاس للتأخر الزمني في سوق العمل نتيجة سنوات الركود الاقتصادي السابقة.
كما يتزايد تعثر الشركات؛ إذ وصلت حالات الإفلاس وإغلاقات الأعمال المرتبطة بالإعسار إلى أعلى مستوياتها في 11 عاماً.
وقال فولكر تراير. كبير محللي غرفة التجارة والصناعة الالمانية. إن معالجة المشكلات الهيكلية التي تواجه الشركات باتت أمراً ملحاً.
وأضاف: «الأمر متروك للمستشار فريدريش ميرتس وحكومته لتنفيذ هذه الاصلاحات هذا العام. وتحويل التعافي المنتظر منذ فترة طويلة إلى انتعاش مستدام».







