تتجه الأنظار إلى بكين حيث يزور رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر العاصمة الصينية في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة. تعكس هذه الزيارة تحولًا محسوبًا في مقاربة لندن لعلاقتها مع الصين.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة كونها تأتي وسط اضطرابات متزايدة في علاقات الدول الغربية مع الولايات المتحدة وما تفرضه من إعادة تموضع في خريطة التحالفات الدولية.
ورغم هذا التحول أو التقارب في السياسة البريطانية تجاه الصين، فإن الخبير في العلاقات البريطانية الصينية ويل هاتون يرى أن العلاقة مع بكين تظل بطبيعتها معقدة.
رغبة واضحة
وأوضح هاتون في تصريحات له أن الزيارة تجمع بين كونها فرصة اقتصادية كبرى، باعتبار أن بكين لديها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهي منافسة للولايات المتحدة، الحليف التقليدي لبريطانيا. مما يضع أوروبا أمام معادلة دقيقة بين المكاسب والمخاطر.
وتستمر زيارة ستارمر التي تمتد خمسة أيام وتشمل نحو 60 من قادة الأعمال البريطانيين، لتكون أول حضور لرئيس وزراء بريطاني في الصين منذ عام 2018. في إشارة إلى رغبة واضحة في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر.
وتسعى حكومة العمال التي يرأسها ستارمر إلى تأسيس علاقات تجارية واقتصادية جديدة مع الصين، من ضمنها إنشاء آلية مشتركة لمواجهة الهجمات السيبرانية، إلى جانب فتح المجال أمام مشاريع واستثمارات صينية كانت محل جدل داخل بريطانيا.
التوازن بين الاقتصاد والأمن
وفي موازاة ذلك، تعتمد لندن خطابًا يقوم على الموازنة بين الانفتاح الاقتصادي والحذر الأمني. فقد شدد ستارمر في تصريحات أدلى بها على متن الطائرة المتجهة إلى بكين على أن بلاده لا تستطيع تجاهل الفرص التي يقدمها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بالبقاء يقظة إزاء أي تهديدات محتملة.
وتتلاقى هذه المقاربة مع ما وصفه وزير الأمن البريطاني دان جافيس بسياسة "واثقة وبراغماتية" تجاه الصين، معتبرًا أن الانخراط معها أصبح ضرورة تفرضها تعقيدات الواقع الدولي، سواء في مجالات الأمن أو الاقتصاد أو قضايا المناخ، مع الاستعداد لمواجهة التحديات عند الحاجة.
ويأتي هذا التحول بعد مسار متقلب في العلاقات بين لندن وبكين، حيث انتقل من مرحلة وُصفت بأنها "عصر ذهبي" إلى مرحلة توتر اعتبرت فيها الصين مصدر قلق إستراتيجي، قبل أن تدفع التحولات الدولية، وتحديدًا توتر العلاقات مع واشنطن على خلفية الحرب التجارية الأميركية، بريطانيا إلى إعادة تقييم سياستها تجاه بكين.
مخاوف متزايدة
غير أن هذا الانفتاح لا يخلو من تحذيرات داخلية. إذ يعبر سياسيون بريطانيون عن مخاوف متزايدة من تمدد النفوذ الصيني في قطاعات حيوية. ويشير النائب إيان دنكن سميث إلى أن الصين تستثمر في مرافق إستراتيجية تشمل المياه والطاقة ووسائل الاتصال، محذرًا من أن إغراق الأسواق بالمنتجات الصينية وتوسيع الاتفاقات التجارية قد يفاقم المخاطر المرتبطة بالأمن القومي.
وفي المحصلة، تبدو زيارة ستارمر لبكين ليست مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل انعكاسًا لمحاولة بريطانية لإعادة التوازن بين الشراكة الاقتصادية مع الصين والالتزام بالتحالف الغربي التقليدي. في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة.
فالوصول إلى العاصمة الصينية وسط مناخ دولي مضطرب يعكس إدراك لندن لصعوبة تجاهل ثقل بكين الاقتصادي، مقابل سعيها للحفاظ على يقظة أمنية تحمي مصالحها الإستراتيجية، في معادلة مرشحة لمزيد من التعقيد في المرحلة المقبلة.







