مع تصاعد حدة التوترات التجارية والجيوسياسية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، يبرز تساؤل استراتيجي حول إمكانية استخدام أوروبا لأصولها الضخمة في الولايات المتحدة، والتي تقدر بنحو 12.6 تريليون دولار، كأداة ضغط في حال استمرار تدهور العلاقات. وبينما يبدو الرقم مرعباً للوهلة الأولى، إلا أن التحليل الاقتصادي الرصين يكشف عن صراع معقد يتجاوز فكرة "البيع والشراء" إلى مفهوم "إعادة صياغة النظام المالي العالمي".
أسطورة البيع الجماعي
أكدت التحليلات أن فكرة استخدام مخزون سندات الخزانة الأميركية كسلاح هجومي هي فكرة غير واقعية من الناحية العملية. وأوضحت أن السبب يعود إلى طبيعة ملكية هذه الأصول، حيث إنها ليست محفظة واحدة مملوكة لجهة سياسية يمكنها الضغط على زر البيع، بل هي موزعة بين آلاف الكيانات الخاصة، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين والمصارف التجارية الأوروبية. كما أضافت أن أي عملية بيع مفاجئة ومنسقة ستكون ذاتية التدمير، إذ ستؤدي إلى رفع العوائد وانهيار قيمة الأصول المتبقية.
فضلاً عن ذلك، فإن إحداث هزة في أسواق التمويل الأوروبية المرتبطة بالدولار سيكون له تداعيات سلبية. لذا، فإن السلاح ليس في "البيع"، بل في مكان آخر أكثر دهاءً.
إضراب المشترين
كشفت التحليلات أن التهديد الحقيقي الذي يواجه الولايات المتحدة ليس في تخلص أوروبا مما تملك، بل في قرارها "التوقف عن الشراء المستقبلي"، وهو ما يعرف بإضراب المشترين اللامركزي. وبحسب التحليلات، يمكن للمستثمرين الأوروبيين البدء تدريجياً في تقليل تراكم الديون الأميركية في محافظهم، والتحول نحو أصول أخرى أكثر أماناً أو سيادية. وأوضحت أن هذا المسار هو الذي سلكته الصين فعلياً، حيث لم "تنتقم" ببيع السندات، بل قلصت مشترياتها تدريجياً.
وأضافت أن توقف الطلب الهامشي هو الذي يرفع تكلفة الدين على الحكومة الأميركية، ويضعف هيمنة الدولار على المدى الطويل.
ارتباط تاريخي
في المقابل، أظهرت الأرقام الصادرة عن نشرات اقتصادية أميركية اعتماد الأسواق الأميركية على الأموال الأجنبية إلى مستويات تاريخية. حيث يخصص المستثمرون الأجانب اليوم 32.4 في المائة من إجمالي أصولهم في أميركا لصالح الأسهم فقط، وهو ضعف المعدل المسجل في عام 2008. وتبلغ قيمة هذه الاستثمارات في الأسهم وصناديق الاستثمار الأميركية رقماً قياسياً يقدر بـ20.8 تريليون دولار، حيث قفزت بنسبة 160 في المائة منذ عام 2020.
تمتلك أوروبا وحدها حصة الأسد بنحو 10.4 تريليون دولار من هذه الأسهم، مما يعني أن أي هزة في الثقة بالولايات المتحدة كملاذ آمن قد تؤدي إلى نزوح سيولة ضخم يعيد تشكيل خريطة الثروة العالمية.
نهاية عصر الملاذ المطلق
بدأت الركائز الثلاث التي يقوم عليها الطلب الأجنبي على الأصول الأميركية (الأمان، والسهولة، والعائد) في التآكل. ومع تزايد استخدام العقوبات المالية كسلاح، وتصاعد الحمائية التجارية، والديون الفيدرالية المتضخمة، لم يعد المستثمر الأوروبي ينظر إلى "الخزانة الأميركية" كخيار وحيد. وأوضحت التحليلات أن المخرج لأوروبا ليس في المواجهة المباشرة، بل في تعزيز سيادتها المالية من خلال تقوية أسواق اليورو.
كما أكدت أنه يمكن خلق بدائل استثمارية محلية جاذبة، وتنسيق إدارة الاحتياطيات. إن التغيير في التوازن المالي العالمي لن يحدث بانفجار كبير، بل عبر هجرة صامتة للأموال، تبدأ بتقليل المشتريات الزائدة، وتنتهي بنظام مالي أكثر تعددية وأقل اعتماداً على القطب الواحد.







