يعيد الاقتصاد العالمي تسعير المخاطر الجيوسياسية بوتيرة مستمرة في أسواق الطاقة والغذاء والشحن كلما تبدل مسار التوتر بين أمريكا وإيران. ويعمل مضيق هرمز كنقطة اختناق حاسمة في منظومة الطاقة العالمية. ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر فوري يتجاوز الإقليم إلى التسعير العالمي.
ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التدفقات عبر المضيق شكلت أكثر من ربع تجارة النفط المنقول بحرا عالميا، ونحو خمس استهلاك النفط ومنتجاته عالميا. كما أكدت أن حوالي خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا تمر عبر هذا الممر. وقد قدرت وكالة الطاقة الدولية مرور نحو 20 مليون برميل نفط يوميا عبر مضيق هرمز.
أظهرت حركة الأسعار حساسية فورية حتى للتصريحات؛ فقد هبط النفط نحو 5% بعد قول ترمب إن إيران "تتحدث بجدية" مع واشنطن. ليتم تداول برنت قرب 65.86 دولارا وغرب تكساس حول 61.79 دولارا.
تأثيرات على الأسواق العالمية
أوضح محللون أن انحسار التوتر أزال جزءا من "علاوة المخاطر الجيوسياسية" وكشف أساسيات عرض تميل إلى الوفرة. كما تشير هيكلية التدفقات عبر مضيق هرمز إلى أن الصدمة لن تتوزع بالتساوي، بل ستصيب الأطراف الأعلى اعتمادا والأقل امتلاكا للبدائل بسرعة أكبر.
قالت إدارة معلومات الطاقة إن 84% من تدفقات الخام والمكثفات و83% من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق اتجهت إلى آسيا. حيث استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على 69% من خام ومكثفات هرمز. وسيؤدي أي تعطل إلى رفع كلفة الطاقة الواصلة.
سينتج عن ذلك توسيع عجز الحساب الجاري وزيادة تقلبات العملات في أكبر مراكز الطلب الصناعي عالميا. كما تتأثر أوروبا بناء على السعر العالمي للطاقة. حتى مع تباين اعتمادها الفعلي على مضيق هرمز، فإن ارتفاع سعر النفط والغاز المسال سيؤدي إلى زيادة تكاليف الكهرباء والبتروكيماويات والنقل الصناعي لديها.
تأثيرات على الدول المستوردة
تواجه الدول المعتمدة على الاستيراد وذات الحيز المالي المحدود خيارين مكلفين: توسيع الدعم بما يضغط على الموازنات أو تمرير الأسعار سريعا للمستهلك مما يرفع التضخم الغذائي والطاقي. كما أن هذا النمط قد يفاقم هشاشة الديون ويزيد مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي عند صدمات الوقود والقمح والأسمدة.
بالنسبة لاقتصادات الخليج، لا يحصّن تصدير الطاقة هذه الاقتصادات من الأثر، إذ ينقل المضيق واردات غذائية مهمة وصادرات أسمدة. وترفع الحرب فاتورة الواردات وتكاليف تشغيل الموانئ وتمويل المخزون وأقساط التأمين البحري، مما يضغط على سلاسل الإمداد المحلية ويزيد كلفة الأمن اللوجستي.
تعيد الأسواق توزيع المكاسب ظرفيا حين ترتفع التقلبات وتُعاد تسعير المخاطر. يتجه المشترون نحو براميل نفط من الأمريكيتين وبحر الشمال وغرب أفريقيا عند تعثر الإمدادات الشرق أوسطية، مما يوسع الفروق السعرية الإقليمية ويعزز هوامش المنبع.
تأثيرات على القطاعات المختلفة
يزيد التصعيد العسكري الطلب على المرافقة البحرية والدفاع الجوي والمراقبة وإعادة ملء المخزونات. وتعزز برامج الشراء الطارئة ودورات التوريد الطويلة تدفقات الإيرادات في فترات التصعيد. يمتد أي اضطراب في مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من أسواق الخام، حيث يصيب حلقات الإنتاج والنقل والتمويل عبر قنوات تكلفة متزامنة تعيد تسعير قطاعات صناعية وزراعية وخدمية.
تبدو الأساسيات مريحة نسبيا؛ فقد توقعت وكالة الطاقة الدولية زيادة المعروض العالمي بنحو 2.5 مليون برميل يوميا. لكن الأسواق تسعر القدرة على الوصول لا البراميل فقط، حيث ترفع التوترات الجيوسياسية أقساط التأمين وتبطئ الشحن.
ترفع أقساط التأمين ومعدلات الشحن كلفة التجارة كضريبة خفية. كما أن أي اضطراب كلفة اللقيم الهيدروكربوني والشحن ينقل الضغوط إلى البلاستيك والألياف الصناعية ومواد التغليف ومدخلات السيارات، مما يزيد تكاليف الإنتاج ويضغط على الربحية الصناعية.
تأثيرات على التضخم والاقتصاد الكلي
ترتبط الأسمدة بالغاز الطبيعي والشحن. وقد ارتفع مؤشر أسعار الأسمدة مع توقع صعود اليوريا في ظل أسواق غاز ضيقة. كما يؤثر التعطل على 16.5% من صادرات الأسمدة الإقليمية، مما يدفع كلف الاستيراد إلى الصعود ويقيد الإمداد.
ينتقل تضخم الغذاء عبر الوقود والشحن والأسمدة. وتتابع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ذلك عبر مؤشر أسعار الغذاء العالمي. ومع عبور 14.5% من واردات الغذاء الإقليمية عبر هرمز، ترتفع فاتورة الواردات الخليجية.
تبدو وفرة الإمدادات قائمة على الورق، لكن مخاطر نقطة الاختناق قد تتغلب سريعا. حيث أعادت فترات هدوء التوتر تركيز السوق على توقعات تفوق العرض على الطلب.
مخاطر وتحديات مستقبلية
يؤدي ارتفاع كلفة الاقتراض وتآكل الدخل الحقيقي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار، مما يضعف النشاط. كما تتسع فواتير واردات الطاقة، مما يضغط على الحساب الجاري ويزيد تقلب العملات. وترفع قفزات أسعار الغذاء والأسمدة عبء المعيشة في البلدان منخفضة الدخل وتضاعف هشاشتها.
تعيد صدمات الطاقة توزيع المحافظ بسرعة، حيث تدفع القفزات الحادة في النفط التدفقات نحو الذهب والسندات الحكومية باعتبارها ملاذات نسبية. بينما تتعرض أسهم النقل والصناعات كثيفة الطاقة لضغوط بيعية نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع الهوامش.
يتوقع أن تنعكس الآليات بالاتجاه المعاكس بالسرعة ذاتها إذا اندلع صراع. مع إعادة إدراج العلاوة وارتفاع تقلبات العقود.







