مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، واجهت أوروبا تحديًا جديدًا تمثل في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، الذي كان يمثل مصدرًا رئيسيًا لإمداداتها لسنوات طويلة.
وفي ظل البحث عن بدائل قريبة وموثوقة، عادت الأنظار إلى شمال أفريقيا، حيث برزت ليبيا كخيار محتمل لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، مستندة إلى احتياطيات كبيرة من الغاز وبنية تحتية قابلة للتطوير، رغم التحديات الداخلية المعقدة.
قال وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق: "بلادنا تمتلك أحد أكبر مخزونات الغاز في المنطقة"، موضحًا أن الاحتياطيات التقليدية تقدر بنحو 70 تريليون قدم مكعب، بينما تتجاوز الموارد غير التقليدية 129 تريليون قدم مكعب، مع احتمالات وصولها إلى نحو 200 تريليون قدم مكعب.
فرص التوسع عبر "غرين ستريم".
يرى الوزير عبد الصادق أن خط أنابيب "غرين ستريم"، الذي يربط مجمع مليتة في ليبيا بالسواحل الإيطالية عبر جزيرة لامبيدوزا، يمثل أحد أهم ركائز الاستراتيجية الليبية للتوسع في صادرات الغاز، لافتًا إلى أن الخط يعمل حاليًا بأقل من 20% من طاقته التصديرية، ما يمنح ليبيا فرصة لزيادة الإمدادات نحو أوروبا.
وأضاف عبد الصادق أن الغاز المنقول عبر الأنابيب أقل تكلفة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعزز تنافسية ليبيا في سوق الطاقة الأوروبية.
كما تتوافق هذه التصريحات مع ما أعلنه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان خلال مؤتمر الغاز الطبيعي المسال، حيث أكد أن ليبيا تخطط لزيادة إنتاج الغاز خلال السنوات الخمس المقبلة، بهدف رفع الصادرات إلى أوروبا بحلول عام 2030.
تنافس إقليمي.
يرى المحلل الاقتصادي إبراهيم السنوسي أن ليبيا تمتلك مقومات تؤهلها لأن تكون موردًا مهمًا للغاز إلى أوروبا، في مقدمتها القرب الجغرافي والبنية التحتية القائمة، خصوصًا خط "غرين ستريم".
لكن السنوسي يرجح أن يظل الدور الليبي مكملاً لمصادر الإمداد الأوروبية، وليس بديلاً كاملاً عن الغاز الروسي، بسبب محدودية مستويات الإنتاج الحالية واستمرار تقلب الإمدادات.
وأكد أن ليبيا قادرة على تزويد أوروبا بكميات إضافية من الغاز، لكن ذلك يبقى مرهونًا بتحقيق الاستقرار الداخلي وتوفير استثمارات كافية لتطوير القطاع.
عقبات داخلية.
تواجه الطموحات الليبية تحديات واسعة، حيث أشار مصدر مطلع إلى أن تداعيات الحرب الأوكرانية أعادت تسليط الضوء على أهمية الغاز الليبي، لكن الواقع الميداني يفرض عقبات كبيرة أمام تطوير القطاع.
وأوضح المصدر أن اهتمام الشركات الأجنبية بالاستثمار في ليبيا ما يزال محدودًا بسبب المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار السياسي والانقسام المؤسسي، إضافة إلى تحديات مصرفية وإدارية.
ويتفق السنوسي مع هذه التقديرات، مؤكدًا أن عدم الاستقرار الأمني وتكرار إيقاف الحقول وضعف التمويل يمثل أبرز العوائق أمام زيادة إنتاج الغاز والنفط في البلاد.
الانقسام السياسي.
يشير السنوسي إلى أن الانقسام السياسي في ليبيا يخلق حالة من عدم اليقين تنعكس على استقرار الإنتاج واحترام العقود مع الشركات الدولية.
كما تتزامن هذه التحديات مع ضغوط مالية متزايدة داخل القطاع النفطي، حيث كشفت وثائق رسمية عن تسجيل المؤسسة الوطنية للنفط التزامات مالية تجاوزت 31 مليار دينار بين عامي 2023 و2025.
وحذرت المؤسسة من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج أو توقفه، رغم حصولها على ميزانيات استثنائية كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
ويرى السنوسي أن قطاع الطاقة الليبي قد يسير في أحد مسارين: الأول مسار إيجابي يقوم على توحيد المؤسسات وإطلاق إصلاحات تشريعية، والثاني سيناريو سلبي يتمثل في استمرار الانقسام.
في ظل هذه المعطيات، تقف ليبيا أمام مفترق طرق بين طموحات رسمية تسعى لتعزيز حضورها في سوق الطاقة الأوروبية، وواقع اقتصادي ومؤسسي يطرح تساؤلات حول قدرتها على تحويل مواردها الطبيعية إلى نفوذ فعلي في معادلة الطاقة العالمية.







